دور الإعلام فى تفعيل قضية الأسرى الفلسطينين

يناير 8th, 2012

ورقة بحثية بعنوان

دور الإعلام فى تفعيل قضية الأسرى الفلسطينين

د.أمين وافى

رئيس قسم الصحافة والإعلام

الجامعة الإسلامية

تقديم

حيثما يولد الإنسان تولد الأخبار ، فطبيعة الإنسان الإجتماعية تحمل في ثناياها أشكال من التفاعل الجوهري الذي ينشأ عن عدة ظواهر إجتماعية منها اللغة والفن والقانون والسياسة والعلاقات بجميع أنواعها ، والصحافة التي من أهم وظائفها نشر الأخبار لأنها تتصل بأهم الغرائز البشرية ، وأبرز صفة من صفات الإنسان الاجتماعية وهي حب الاستطلاع لمعرفة الأنباء والإطمئنان إلى البيئة داخلياً وخارجيا .

والكائنات الحية – في أبسط صورها – تعنى بجمع الأخبار وتعرف فنون الاستطلاع ، ويكفي أن ننظر إلى خلية النحل أو إلى جماعة النمل لكي ندرك قيمة الأخبار في إنقاذ الأفراد والمجتمعات ، إن هذه الحشرات البسيطة ترسل من بينها جماعات للكشف والاستطلاع وهي تدلي بمعلوماتها عن الفرص المتاحه للطعام والرحيق ، كما أنها تبلغ عن الأخطار المحدقة بالخلية ، حتى يستطيع الجميع أن يحافظوا على حياتهم ويتجنبوا الأخطار التي تهددهم .

لقد أحدثت ثورة المعلومات منذ عقدين ، إنقلابا هائلاً في علاقات الناس بالعالم ، وفي مفاهيم المكان والزمان التقليدية ، وباتت السيطرة على الزمان والمكان أيسر من ذي قبل مع النجاح الكبير في إختصار المسافات والوقت وتسريع حلقات الإتصال والتواصل ، وإطلاق التدفق الحر للمعلومات دون قيود أو كوابح وربط الناس بحوادث العالم ومتغيراته الفورية ، وكان لذلك عظيم الفوائد والمنافع على البشرية جمعاء وفي المناحي والأوجه كافة .

الإعلام اليوم جزء من ثورة المعلومات وهو أحد نقاط الإرتكاز الرئيسية لإنطلاق أي فكر أو قضية ، ومن هذا المنطلق فإنه يجب مراعاة أن الرسائل الإعلامية تستهدف شرائح من الجماهير ، كل شريحة لها طبيعتها الخاصة ،  ومهمة الإعلام توصيل الرسالة إلي وجدان وعقل هذه الشرائح .

لا شك أن الإعلام كما عرفه البعض أنه ” الاتصال الذي يجري بين شخصية أو مؤسسة وعدة جماعات متفرقة ، لا تتصل ببعضها البعض ولا ترى مصدر الإتصال وجها لوجه ” ويعرفة البعض الآخر بأنه ” بث رسائل واقعية أو خيالية موجهة إلى أعداد كبيرة من الناس يختلفون فيما بينهم من النواحي الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والسياسية وينتشرون في مناطق متفرقة ” ورغم الإختلاف الكبير في النظم الإعلامية السائدة في الإعلام إلا أن الوظائف الإعلامية متفق عليها في جميع هذه الإنظمة.

ويمكن تقسيم وظائف الإعلام إلى ما يلي :

* الإعلام والأخبار .

* التفسير والتوجيه والإرشاد

* التعليم والتثقيف .

* التسلية والترفيه .

* الترويج والإعلان .

أما بخصوص وسائل الإعلام المتعارف عليها فيمكن تحديدها في التالي :

* الصحافة : وتقصد بها جميع الصحف والمجلات والتي تصنف على أنها وسائل إعلام مكتوبه .

* الإذاعة : وهي جميع الوسائل المسموعة والمبثوثة كانت رسمية أو فردية .

* السينما : وهي دور العرض والأفلام بأنواعها المختلفة والمتنوعة .

* التلفزيون : ونقصد بذلك المحطات الأرضية والفضائية بجميع أنواعها وأشكالها .

* الإنترنت : ويقصد به جميع ما ينشر في الشبكة العالمية للمعلومات والتي يمكن أن تجمع جميع صنوف الإعلام السابقة الذكر .

الواقع الإعلامى لقضية الأسري

ثمة ظواهر إنسانية تأتي لتعيد صياغة مراحل بأكملها في تاريخ الأمم و الشعوب ، في تاريخ القضية الفلسطينية هناك عدة ظواهر تستحق الوقوف عندها و تحليلها وأخذ العظات منها و العبر لما تحمله في طياتها من تفاصيل تبرهن بكل يقين على أن ديمومة التضحيات مستمرة حتى يتحقق وعد الله عز و جل لعباده المؤمنين .

فقضية الأسرى الفلسطينيين واحدة من تلك الظواهر التي تستحق الوقوف عندها و تحليلها ،وتستحق أيضا أن يقف كل فلسطيني وقفة إجلال و احترام أمام تضحياتهم النبيلة ،وبذل الجهود لنصرة قضيتهم و تحريرهم من باستيلات العدو الصهيوني سيما وأن تحريرهم يشكل هدفا من سلسلة الأهداف التي لازلت أجندات فرقاء الساحة الفلسطينية تتحدث عنها رغم خلافهم و اختلافهم !

لا اخفى عليكم انني من أشد المؤمنين بدور الإعلام في خدمة القضايا المختلفة خاصةً و نحن نتحدث عن صراع يتطلب منا أن نسمو في أدواتنا إلى الدرجة التي تمكننا من طرح قضايانا بالشكل المطلوب و يُمكن أدواتنا من التصدي للأدوات المضادة التي سخر لها أعداؤنا كل إمكانياتهم و طاقاتهم فاستطاعوا خداع العالم بأكاذيبهم ليصبح الفلسطيني في أعين جزء كبير من المخدوعين بأنه الجلاد وليس الضحية.

لن اكون متجنياً على الاعلاميين والاعلاميات وايضا الإعلام الفلسطيني اذا ما قلت إن ترهل و قصر نظر منظومة الإعلام لدينا ساهمت و بشكل فعال في تراجع قضية الأسرى بشكل خاص على المستوى الدولي ،ولنا في قضية الأسير الإسرائيلي ” جلعاد شاليط ” خير شاهد على ذلك ،فقضيته و إن كان جنديا محتلا تم أسره في عملية عسكرية على تخوم قطاع غزة الذي يشهد عمليات عسكرية لحظية لجيش الاحتلال الصهيوني استطاعت ماكنة الإعلام الصهيوني أن تسوقها للعالم على أنها جريمة ينبغي القصاص من مرتكبيها بأشد عقوبة ، في الوقت الذي يرزح ما يزيد أحد عشر ألف أسير فلسطيني خلف القضبان يتعرضون للتنكيل و التعذيب يومياً و يسقط الشهداء منهم نتيجة الضرب المبرح و التعذيب و في بعض الأحيان بالرصاص الحي كما حدث من الأسير ” محمد الأشقر ” الذي استشهد رمياً بالرصاص في نهاية العام الماضي و كما حدث مع مائة و اثنين و تسعين شهيداً هم حصيلة الأسرى الشهداء الذي ارتقوا نتيجة القمع و التنكيل الذي يتعرضون له في معتقلات العدو.

الامر المؤلم حقا هو تسابق الاعلاميون لتسجيل لحظات الإفراج عن المعتقلين المنتهية محكوميتهم في الوقت الذي يُختطف العشرات على حواجز الموت المنتشرة في الضفة الغربية او في الاطراف في قطاع غزة ولا تعرف أسماؤهم أو أعدادهم أو مصيرهم ومثال ذلك عشرات الاسرى الذين تم اعتقالهم خلال الحرب الاسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة .

وإعلامنا الذي  يمتاز بخصوصية فرضتها الظروف الخاصة التي مر بها التاريخ النضالي الفلسطيني، وتأثر بالواقع السياسي الذي عاشه الفلسطينيين إضافة إلى معاناته جراء المعيقات الكثيرة التي كان سببها الأول سلطات الاحتلال الإسرائيلي، يعاني من ضعف حقيقي في تناول قضايا الاسرى الفلسطينين تمثلت في غياب خطة إعلامية نحوها، وتركيزها على قضايا محددة،  على حساب قضايا أخرى، لذا فهي لا ترتقي إلى مستوى التحولات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنضالية، التي شهدتها الساحة الفلسطينية، وكان لها أثر كبير على واقع الاسرى القابعين في غياهب سجون الاحنلال الاسرائيلي.

ومن  خلال اجراء تحليل لعدد من وسائل الاعلام  اتضح وجود ضعف كبير في تناول وعرض تلك القضايا، إضافة إلى وجود تباين في معالجة وسائل الاعلام لقضايا الاسرى سواء كان في المساحة أو التوقيت الذي يتم فيه عرض هذه القضايا.ونجد ان الاهتمام موسمي في حالات كثيرة حيث يرتبط بمناسبة ما وأن شهر نيسان من كل عام يحظى بنصيب الاسد في عملية التناول لقضية الاسري حيث يصادف في السابع عشر من هذا الشهر يوم الاسير الفلسطيني والذي يتخلله العديد من الفعاليات التي تنتهي بانتهاء هذا اليوم اضافة الى يوم الاثنين الذي بات يعرف بيوم اعتصام ذوى الاسرى واذكر هنا أن فعالية يوم الاثنين أصبحت في وسائلنا الاعلامية لا تتعدى خبر أو صورة وفي وسائل اخرى لا يشار إليها .

وتبين أن الكتابة في موضوعات الأسرى تتم بين فترة وأخرى بشكل روتيني من قبل المؤسسات والهيئات والمراكز المهتمة ، وذلك في حالة الإعلان عن أنشطة تلك الهيئات، أو الزيارات للاسرى والخبر في مجمله هو خبر علاقات عامة بالدرجة الاولى .

ويتضح أن تغطية الصحف لقضايا الاسرى يغلب عليها الطابع الخبري، مع اهمال باقي الفنون التفسيرية والتحليلية، اضافة الى غياب الحملات الصحفية التي من شانها ان تنقل معاناة الاسرى والتركيز على انها قضية انسانية بالدرجة الاولى لاسيما وان العالم كله لا يعرف الا شاليط ولا يتذكر اسم واحد لاسير فلسطيني.

و اعلامنا اليوم أصبح رهينة للاحداث اليومية تاركا خلفه قضايا ذات اهمية كبرى واعتقد أن الإعلام الذي خسر كل معاركه أمام سطوة و تغول ماكنة الإعلام الصهيوني عليه التفكير مجدداً في كيفية الخروج من هذا الوضع المزري ليستطيع تحمل مسؤولياته في هذه المعركة المصيرية و أن يُعيد جدولة أدواته بما يتوافق مع إمكاناته ليكون إعلامنا الفلسطيني رأس حربة شعبنا الفلسطيني في معركته الفاصلة ، وبغير ذلك سيكون إعلامنا الفلسطيني ووسائلة أداة طيعة في يد أعداء شعبنا و سيبقى دوره محصورا في تكريس النكبات التى تابي التوقف لحظة.

إن الجانب الإعلامي المفترض أن يخدم قضية الأسرى يجب أن يكون على أهلية وكفاءة عالية جدا وذا خبرة ومهارة متخصصة في كيفية إيصال صوت هؤلاء الأسرى الأبطال من خلف القضبان للمجتمع الدولي وجذب الأنظار حولهم ومن ثم تفعيل المؤسسات المتخصصة للنهوض بدورها في المشاركة .

الا ان ذلك غير متوفر إلى درجة كبيرة وهذا بشهادة العديد من المهتمين بالاعلام الفلسطيني ، فإعلامنا أصبح إعلاما رسميا يهتم في اليوميات وترك القضايا الهامة لحسن النوايا واقول :” لا يوجد حضور لنا على المستوى الدولي سواء أكان في الصحافة المكتوبة أو الالكترونية والفضائيات المطلوب منا هو تحقيق هذا الحضور الإعلامي الدولي لنشرح هذه القضية الانسانية .

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لا توجد مؤسسة اعلامية فلسطينية دولية تقوم بهذا الدور الذي نطالب به وهو تفعيل دور المجتمع الدولي في قضية الأسرى .، وعلى الصحفيين القيام  باعداد المواد الاعلامية المتعلقة بالاسرى وذويهم وهموم الطرفين اذا ما اردنا بالفعل تفعيل هذه القضية التي لم يول لها الساسة الاهتمام الكبير لانهائها واهملها الاعلام بتركيزه على المواد الاعلامية الجاهزة متناسيا انها من اكثر القضايا أهمية للأسر الفلسطينية .

وفي ختام هذه الورقة فانني:

1-  ادعو الى وضع خطة اعلامية علاجية لتناول قضايا الاسرى بصورة سليمة تساهم في تفعيل هذه القضية وتسرع من الافراج عن كافة الاسرى دون قيد او شرط .

2- تخصيص مرصد إعلامي تتوحد فيه أرقام الاسرى وأسمائهم وكافة المعلومات التفصيلية عنهم وتوحيد مؤسساتهم في جسم واحد حتى تصل الرسالة المنشودة وهي اغلاق هذا الملف.

3- تخصيص مساحة اعلامية ثابته لمختلف قضايا الأسرى الفلسطينيين.

4- تناول وعرض قضايا الاسري بتعليب الجانب الانساني عليها لأنهم ضحية لوجود الاحتلال والعمل على فضح كافة ممارسات الاحتلال بحقهم خاصة وان ما يزيد عن 400 طفل في سجون الاحتلال إضافة إلى العشرات من النساء وكبار السن .

5- وضع خطة استراتيجية عالمية للدفاع عن الأسرى ومحاكاة الرموز النضالية الدولية للمشاركة في فعاليات هذه الخطة .

6- تفعيل دور الجاليات الفلسطينية في الخارج وخاصة في الدول الديمقراطية من خلال حث الجمعيات والمراكز الحقوقية على الإهتمام بقضية الأسرى .

7- استخدام فنون إعلامية على صعيد الصحافة أو الإذاعة أو التلفزيون وخاصة من القصة الخبرية والتقارير التي تركز على الجوانب الإنسانية لحياة الأسرى  وشؤونهم المختلفة .

8- تفعيل دور الإعلام الإلكتروني وخاصة الصحافة الإلكترونية من خلال إنشاء صحف ونشرات إلكترونية متخصصة في شؤون الاسرى المختلفة وعلى جميع الصعد وخاصة إنشاء المواقع الإلكترونية المتخصصة في شؤون الأسرى .

9- إنشاء المدونات وتفعيل الدور الشعبي في التأثير على الرأي العام العربي والدولي في محاكاة الغرب والدول والشعوب الصديقة بآلام وهموم الأسرى وظروفهم .

10- حث الكادر الإعلامى  الفلسطيني أولاً والعربى ثانياً على الإهتمام بقضية الأسرى والعمل على تفعيلها وتطوير التغطية الإعلامية الخاصة بها .

11- وضع خريطة بالموضوعات الإعلامية والتي تشكل الإهتمامات الراهنة بقضية الأسرى

12- إنتاج وتمويل البرامج والأفلام التسجيلية الخاصة بقضايا الأسرى وتوزيعها على المحطات التلفزيونية والمراكز الحقوقية العالمية .

13- الإستفادة من الحملات الإعلامية الصهيونية الخاصة بالأسرى الصهاينة ومحاولة تحليل أساليبها والعمل على الرد عليها بمنطق الدعاية المضادة .

14- عقد الندوات و المؤتمرات السنوية والتي ترصد معاناة الأسرى وتحاكي الواقع المرير لهم في السجون الصهيونية .

15- حث القائمين على المحطات التلفزيونية الفلسطينية والعربية بتخصيص برامج تفاعلية مع الأسرى من خلال تفعيل تلفزيون الواقع في هذه القضية ، ونقل تجارب الأسرى من خلال شهادات الأسرى المحررين .

في النهاية اقتبست ما جاء في مقال لأسير محرر في ذكرى يوم الأسير 17/4 .

أسوار السجن عالية … تلامس غربان السماء … بوابة السجن هائلة … أبواب السجن كثيرة … والحرية لها باب واحد .

في يد السجان رزمة من المفاتيح … للباب الأول … والثالث … والعاشر … للباب الأول والأخير … لغرف وحجرات فوق الأرض … ولزنازين وخزائن تحت الأرض … مفاتيح كثيرة.

أيهما أقسي … قفل السجن … أم … قلب السجان .

المراجع والمصادر

1-  أديب خضور : الإعلام الأمني ، المكتبة الإعلامية ، ط1 ، دمشق 2002 .

2-  صلاح مذكور وسوزان القليني : الإعلام البيئي ( النظرية والتطبيق ) ط2 ، القاهرة 2002 .

3-  مجموعة من الكتاب : العرب وثورة المعلومات ، مركز دراسات الوحدة ، بيروت 2005 .

4-  إبراهيم إمام : وكالات الأنباء ، دار الفكر العربي ، ط3 ، القاهرة 1994 .

5-  مجموعة من الباحثيين : الفضائيات العربية ومتغيرات العصر ، الدار المصرية اللبنانية ، القاهرة 2005 .

6-  بسيوني حماده: دور وسائل الاتصال في صناعة القرار ، مركز دراسات الوحدة ، بيروت 1993.

7-  مركز غزة للحقوق والقانون : دليل الصحفي القانوني ، غزة ابريل 2003 .

8-  حميد الدليمي : التخطيط الإعلامي ، دار الشروق ، بغداد 1998 .

* موقع فلسطين خلف القضبان   www.plestinbehihdbars.org

* موقع الأسرى              www.alasra.ps

*موقع المركز الفلسطيني    www.palestine-info.info