الرئيسية >> مقالات عربية وأجنبية مختارة >> نائب رئيس جامعة أكسفورد يبحث في الاستجابة العالمية لكوفيد19 ودور الجامعات حول العالم في فهم المرض وحماية المجتمعات

نائب رئيس جامعة أكسفورد يبحث في الاستجابة العالمية لكوفيد19 ودور الجامعات حول العالم في فهم المرض وحماية المجتمعات

جامعة أكسفورد-9 أبريل2020/ ترجمة قسم الإعلام -الجامعة الإسلامية بغزة

يُعد غياب دور المؤسسات الدولية النادر في صياغة استجابة موحدة تجاه المحنة العالمية (كوفيد19) أحد أبرز العوامل المسببة للإحباط، حيث لم تتوافق مجموعة الدول الصناعية السبعة على إصدار بيان موحد حيال ذلك، بينما اتفقت مجموعة العشرين* على أن المشكلة تعتبر عالمية وخطيرة؛ وهذا المرض كغيره من المخاطر العالمية الأخرى مثل التغير المناخي لا يحترم الحدود الوطنية بين الدول، ومع ذلك كانت استجابة الدول لهذا الوباء تميل إلى القومية.

وإننا في هذا الوقت بالتحديد بأمس الحاجة لمؤسسات دولية قوية تستطيع تبادل المعلومات، وتعتمد على المعلومات الموثوقة، ولديها الشجاعة الكافية لمحاسبة أولئك الذين لا يمنحون معلومات دقيقة، كما ولديها العزيمة للتأكيد أن أفقر الدول ومجتمعاتها لا يمكن أن تستثنى في خضم استجابة الدول الفعالة لكوفيد19. وتعتبر منظمة الصحة العالمية المؤسسة الدولية الوحيدة التي أثبتت وجودها منذ بداية الأزمة.

ومن اللافت أنه في الوقت الذي التزمت الولايات المتحدة وبريطانيا وبلدان أخرى بدفع مبالغ باهظة لمواجهة الوباء والتخفيف من حدة الآثار المترتبة على شعوبهم والاقتصاد، فقد كانت حجم الأموال التي خُصصت للدول النامية أمرًا يبعث على السخرية!

 ولا زالت الدول في أفريقيا لا تسجل أعدادًا كبيرة مصابة بالفيروس؛ ولكن السبب في ذلك يعود لعدم وجود وسائل للكشف عن المرض، ونحن نعلم أن أنظمة الرعاية الصحية لديهم سيئة للغاية في أفضل الأوقات.  

وبطبيعة الحال، إن تفشي هذا الوباء بهذا القدر يعكس فشل المؤسسات الدولية والحكومات الوطنية أيضًا في التعامل مع المرض، مع أننا قد تلقينا تحذيرات من قبل تفيد بأن وباء السارس المتفشي سنة 2002 وحتى 2004 قد رُجّح بداية انتشاره من الأسواق الآسيوية الرطبة*.

ويُعتقد أن انتشار فيروس كورونا أيضًا قد بدأ من السوق الرطبة لمدينة ووهان في الصين. وتفيد التقارير بأنه وقتما تعود الصين لحالتها الطبيعية، فإن الأسواق الرطبة ستظهر من جدي في أفقر مناطق المدن الصينية.

كان ينبغي أن تكون أزمة وباء الإيبولا في غرب أفريقيا بمثابة تحذير أيضًا، ولكنها تضمنت حياة أشخاص ماتوا بعيدًا عن الشوارع الغنية في الغرب. وللأسف، تم تجاهل الدروس المستفادة.

لم يكن هناك نقص في عدد الأشخاص الذين يشيرون إلى ضعفنا أمام الوباء، ولم يكونوا جميعًا أكاديميين غامضين. انظر فقط لحديث بيل غيتس في منصة تيد عام 2015، الذي قارن من خلاله المبالغ الطائلة التي أُنفقت على الردع النووي مقابل المبالغ التافهة التي تنفق على التأهب والاستعداد لمواجهة لمثل هذ الجائحة. لقد فضلت الحكومات أن تربط قضية الأمن بالناحية العسكرية، ولكن كتفية السترة العسكرية لا تضاهي أبدا سماعة الطبيب! وأما إنتاج المستحضرات الصيدلانية الحيوية فقد أُحيل إلى أرخص مقدمي الخدمات-الصين والهند على وجه العموم-وكلها باسم الربح الخاص والاقتصاد العام.

يبدو أننا ندور في حلقة مفرغة تمامًا! فالعولمة التي جلبت ثروات طائلة إلى أجزاء كثيرة من العالم، أدت إلى تفاوتات اقتصادية جسيمة في توزيع فوائدها أو ما يُعرف بفجوة الثراء. أولئك الذين خسروا أموالهم، قد أخذوا انتقامهم من صناديق الاقتراع وانتخبوا القادة في جميع أنحاء العالم وفضلوها على التيارات الشعبية. ولم يبدِ هؤلاء القادة بدورهم سوى الازدراء للقيود التي فرضتها المؤسسات الدولية ثم سادت الانفرادية بعد ذلك. والآن نواجه جميعًا أزمة عالمية تتطلب تعاونًا دوليًا كبيرًا، ولكن آليات تحقيق هذا التعاون ضعيفة.

وإلى مستوى أقل من السياسة العليا للعلاقات الدولية، هناك مؤسسات عالمية تعمل في الخنادق على إيجاد لقاح، وتطوير علاجات فعالة، وتستخدم التكنولوجيا لتصميم العلاجات وتسريع الإنتاج الشامل. وهم يعملون مع زملاء من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العالم الجنوبي. بالطبع، هذه المؤسسات هي الجامعات.

وفي هذا المقام، لا يسعني الحديث سوى عن جامعتي، جامعة أكسفورد.  ولكن هناك العديد من الجامعات الأخرى في جميع أنحاء العالم تعمل فيها فِرق دولية من الباحثين الموهوبين والملتزمين على مدار الساعة لإيجاد علاج لـ Covid-19 والتخفيف من تأثيره.

عندما كانت شوارع أكسفورد قاحلة ومهجورة في القرون الوسطى، كان يُسمع لمختبراتنا طنينًا. لدينا ما يُقدّر بنحو 500 باحث، يساعدهم عدد متساوٍ من الفنيين وموظفي الدعم، في المشاركة في إجراء البحوث المتعلقة بفيروس كورونا. ولدينا أيضًا فرق كبيرة في جميع أنحاء العالم، في تايلند وفيتنام وكينيا، ويعملون مع منسقين محليين لطيلة سنوات، سعيًا إلى بناء القدرات المحلية وفهم الأمراض التنفسية وغيرها من الأمراض والتصدي لها.

كانت جامعة أكسفورد موجودة منذ فترة طويلة، نحن لا نعرف تمامًا منذ متى، ولكن يُرجّح بين ثمانمائة إلى تسعمائة سنة. لقد استمرينا طويلاً بسبب شعورنا الدائم بقيمة ما نقوم به: الدفع على حدود المعرفة، وتثقيف الجيل القادم، والمساهمة في تشكيل العالم من حولنا. إن نمو الجامعة قد تسارع بعد عام 1169 عندما منع هنري الثاني علماء اللغة الإنجليزية من السفر إلى جامعة باريس. إن الجهود الرامية إلى تقييد التدفق الحر للأفكار لم تنجح قط، وقد ازدهرت الجامعات على وجه التحديد بسبب قدرتنا على توظيف العلماء من أي مكان وفي كل مكان وللذين يرغبون في التعامل والانخراط مع بعضهم البعض. قبل شهرين فقط كان التحدي الأكبر الذي يواجهنا هو الاستجابة للقيود التي قد يشكلها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على قدرتنا على التوظيف على مستوى العالم. واليوم يتضاءل هذا التحدي ويصبح لا شيء مقارنة بمواجهة التحديات المالية والتشغيلية الهائلة التي يفرضها هذا الوباء.

وبينما نستجيب للتحديات المفروضة، فإننا نفخر كثيرًا بعمل أكاديميينا ومسعفينا وباحثينا. هؤلاء العلماء، من جميع أنحاء العالم، لا تحركهم المنافسة الفردية على المراجعات أو الأرباح أو المزايا السياسية؛ بل يحركهم الالتزام بالرسالة القديمة المتمثلة في المساهمة في خدمة العالم من حولنا.

وإليكم مثالًا من أكسفورد. فريق في معهد جينر بقيادة البروفيسورة سارة جيلبرت التي عملت سابقًا على لقاح لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية، قد توصلوا إلى مرشح لقاح ناقلات الفيروسية غير المتكررة  ChAdOx1 nCoV”.

إن الممارسات التصنيعية الجيدة المعمولة في منشأة التصنيع البيولوجي السريري في أكسفورد في تقدم مستمر، وقد بدأ توظيف المشاركين بناء على خطط لإجراء اختبار لأول رجل بحلول 22 نيسان/أبريل. يعتبر هذا جهدًا دوليًا بالتوازي مع خطط الإنتاج واسعة النطاق في إيطاليا والهند والصين.

وفي الوقت ذاته، يجري اختبار للقاح في مختبرات روكي ماونتن في الولايات المتحدة وبورتون داون في المملكة المتحدة، يعمل هذا اللقاح على الحماية من الأمراض مع احتمالية عدم وجود أي آثار جانبية في النماذج الحيوانية التي يجري تجريب اللقاح عليها. ونعتقد أن هذا هو اللقاح الوحيد المرشح الذي يهدف إلى إيجاد تأثير على البشر بحلول أواخر حزيران/يونيو.

البرفسور بيتر هوربي- الذي ترأس مشروع الجامعة في الاستجابة لمرض السارس عندما كان مدير وحدة الأبحاث الطبية في هانوي وفيتنام في جامعة أكسفورد، وفي وقت لاحق ترأس أيضًا استجابة الجامعة لمرض ايبولا- يساهم الآن في الاستجابة لكورونا في مدينة ووهان منذ بداية شهر يناير، ويتضمن عمله إجراء التجارب الأولى العشوائية والمضبوطة للأدوية المضادة للفيروس. وقد تعاون البرفيسور هوربي وبعض زملائه مع أكاديمية العلوم الطبية في الصين والمركز الصيني للسيطرة على الأمراض وقت الأزمات. أما في بريطانيا، فقد قام هو والعديد من باحثي جامعة أكسفورد بإطلاق حملة عالمية لفحص فعالية دواء فيروس نقص المناعة البشرية lopinavir-ritonavir وdexamethasone الستيرويد في علاج مرضى فايروس كورونا. وفي هذه الأثناء، يقوم البروفيسور جاي ثويتس بإجراء تجربة سريرية على الكلوروكين كعلاج لفيروس كورونا في فيتنام بالتعاون الوثيق مع وزارة الصحة الفيتنامية.

ويُعد أطباء برامجنا المنتشرة حول العالم ذوي باع طويل في علاج أمراض التنفس. على سبيل   المثال، يجري فريقنا في تايلاند تجارب سريرية متعددة الجنسيات على نطاق واسع. ويقود الفريق البروفيسور نيك دي وبالتعاون مع زملاء في وحدة أبحاث مهيدول أكسفورد للطب الاستوائي وهو كغيره من برامجنا الممولة من صندوق ويلكم. علاوة على ذلك، إنهم يُجرون حاليًا تجربة الكلوروكين/ هيدروكسكلوروكوين للوقاية من فيروس كورونا لدى العاملين في مجال الرعاية الصحية، مع دراسة أماكن مخطط لها في تايلاند، وفيتنام، ولاوس، وإيطاليا، والمملكة المتحدة. كما قاموا بمحاكاة وتقديم المشورة بشأن جرعات الكلوروكين في الدراسة التي تجريها منظمة الصحة العالمية في مراكز عديدة. كانت بيئة الدراسات العلمية حول هذه الأدوية صعبة منذ أن روجها الرئيس ترامب كعلاج لفيروس كورونا.

أوصت الحكومة الهندية الآن باستخدام هيدروكسي كلوروكوين كعلاج وقائي للطواقم الصحية دون إبراز دليل على نجاعته، لذلك لا يمكن إجراء أي تجربة عشوائية. وقد أدت الدعاية حول فوائد الدواء أيضًا إلى ازدياد الوفيات؛ حيث يعالج الأفراد أنفسهم بجرعات زائدة عن حاجتهم. بالإضافة الى التجارب السريرية، تعمل فرقنا في تايلاند على نمذجة تفشي مرض كورونا في آسيا، كما أنها تعمل أيضًا على تحسين الرعاية الحرجة في ظروف انخفاض الموارد.

يتمركز أكاديميو أكسفورد في برنامج أبحاث صندوق كيمري ويلكم؛ حيث يوجد به 850 موظفًا لأكثر من 25 عامًا، ويعملون عبر ثلاثة محاور رئيسية في كينيا، وأوغندا، وهي نيروبي، وكيليفي، ومبالي، مع ميزة إمكانية الوصول الدولي بمساعدة المواقع المتعاونة، وتحت قيادة البروفيسور فيليب بيجون. ويصنف موقع كيمري ويلكم في الطليعة في مجال تطوير لقاحات للمرض الملاريا. وهو الآن أحد ثلاثة مواقع في الدولة تجري اختبارات لكوفيد19.

حيث عملوا على قائمة طويلة من اللقاحات وأجروا تجارب المرحلة الأولى للإيبولا وكذلك تجارب المرحلة المبكرة من حمى الوادي المتصدع والحمى الصفراء. وأمضت مجموعة النمذجة الخاصة بهم ما يقارب 15 عامًا في العمل على فيروسات الجهاز التنفسي في كينيا. وعلى هذا النحو فهم يمتلكون الدراية والخبرة في كيفية حدوث التواصل، حتى إذا أصيب رجل سليم في منزل ريفي في كينيا بمرض، فسيكون لديهم البيانات لمعرفة عدد الأشخاص الذين قد يكونون على اتصال به. وعلى حد تعبير البروفيسور بيجون: “لا يمكنك أن تقرر البدء في فعل هذه الأشياء عند وقوع الأزمة، بل يجب أن تكون هناك ترتيبات مسبقة بالفعل”. ونتيجة لبرنامج بناء القدرات على مدى سنوات عديدة، فإن معظم البرامج أصبح يقودها علماء كينيون رائعون. يحرص فريق كيمري ويلكم على العمل مع الزملاء في معهد جينر في أكسفورد حتى يتمكنوا من اختبار اللقاح، بحجة أنهم لا يريدون إجراء جميع الاختبارات المبكرة في أوروبا، الأمر الذي سيعني حتمًا تأخير الحصول على اللقاح في أفريقيا.

وهناك المزيد من الأمثلة على الأطباء الباحثين في جامعة أكسفورد المتعاونين مع زملائهم حول العالم؛ وذلك من أجل وضع أفضل خطة لمواجهة هذا الوباء. ولا يقتصر المساهمون على الأطب؛اء بل يعمل مهندسونا أيضًا على تطوير أجهزة تنفس صناعية، ومجموعات اختبار وتطبيقات تتبع، بينما يقوم علماء الاجتماع بنمذجة ردود الفعل والتكيفات المجتمعية. وفي النهاية، مهما اختلفت الأدوار والجنسيات ووجهات النظر والتخصصات، فإن الدافع والالتزام لا يزال مشتركًا وهو تطبيق الأبحاث الأكاديمية للجامعات وترجمتها على أرض الواقع من أجل تحسين مواجهة العالم لفيروس كورونا.

في ظل عدم وجود مؤسسات دولية فعالة، تبذل الجامعات قصارى جهدها للبحث عن علاج لهذا المرض، ولكن المؤسسات الدولية فقط ستكون قادرة على ضمان ألا يؤدي تأثير هذا الوباء إلى تفاقم عدم المساواة الموجودة بالفعل في المجتمع العالمي. في الماضي، زوّرت المؤسسات الدولية بعد حدوث صراعات عسكرية كبيرة أو اضطرابات مالية كبيرة في محاولة لضمان عدم تكرار هذه الصراعات. ونعلم أن فيروس كورونا لن يكون آخر جائحة؛ لذلك فنحن بحاجة إلى مؤسسات دولية فعالة ومدعومة من الحكومات ذات الثروة لضمان الاستعداد والتأهب لمثل هذه الأمراض في المرات القادمة.

*مجموعة العشرين: هو منتدى تأسس سنة 1999 بسبب الأزمات المالية آنذاك، ويمثل ثلثي التجارة في العالم، وأكثر من 90% من الناتج العالمي الخام؛ يهدف إلى جمع الدول الصناعية والمتقدمة على صعيد واحد؛ لنقاش قضايا أساسية في الاقتصاد العالمي.

*الأسواق الرطبة: هي أسواق شائعة في شرق آسيا وأمريكا اللاتينية ويباع فيها اللحوم الحية والأسماك والمنتجات والسلع الأخرى القابلة للتلف.

رابط الخبر الأصلي

https://www.research.ox.ac.uk/Article/2020-04-09-universities-into-the-breach