الرئيسية >> مقالات عربية وأجنبية مختارة >> كورونا ومناعة الأطفال

كورونا ومناعة الأطفال

بقلم/ أ. د محمد عيد شبير- أستاذ الفيروسات والمناعة في الجامعة الإسلامية

عند تفشي فيروس كورونا المُستَجِد   SARS-CoV-2وما سببه من مرض أطلق عليه COVID-19 تكشفت ظاهرة لفتت أنظار الكثير من العلماء وهي تدني نسبة الإصابة لدى الأطفال بالمقارنة مع كبار السن. وقد أظهرت دراسة إحصائية أجريت في الصين أن نسبة المصابين بالفيروس ممن تقل أعمارهم عن 19 عاما كانت 2% من عينة مجموعها 72314 مريضا وكذلك كانت النسبة في الولايات المتحدة أقل من 1% من عينة مقدارها 508 مريضاً.

وما زالت هذه الظاهرة تتكرر في جميع الدول التي أصابتها جائحة فيروس الكورونا المُستَجِد. ولكي يتم تفسير هذه الظاهرة لا بد من نظرة شمولية لجهاز المناعة كونه خط الدفاع الأول الذي يقاوم الفيروس ويجنبنا آثاره المدمرة. وأود الإشارة هنا أن المقصود بالأطفال هم الذين اكتمل نمو جهاز المناعة لديهم وليسوا الأطفال الرضع.

تطور جهاز المناعة

تبدأ مكونات جهاز المناعة في الظهور خلال المرحلة الجنينية، وقد لاحظ العلماء أن كلاً من الخلايا التائية T-cells -المسؤولة عن المناعة الخلوية-والخلايا البائية B-cells-المسؤولة عن تكوين الأجسام المضادة- تظهر في طحال الجنين ما بين الأسبوعين الرابع عشر والثامن عشر من بداية الحمل. وبعد الولادة ومع بلوغ المولود الشهر الخامس تظهر على تلك الخلايا جميع الجزيئات الموجودة على خلايا الأشخاص البالغين. ولكن تلك الخلايا لا تبلغ ذروة نشاطها بدليل إفرازها كميات قليله من السيتوكاينز cytokines مثل γIL-2,IL-4,IL-5,IL-12,INF- والسيتوكاينز هي المركبات التي تنظم عمل جهاز المناعة في مقاومة الأجسام الغريبة، كما وتلعب دوراً مهما في الاستجابة الالتهابية Inflammatory response كما سيأتي لاحقاً.

ويبدأ جهاز المناعة للمولود ما بين الشهر السادس والتاسع في الاستجابة بقوة للمركبات الموجودة على أسطح الميكروبات ومن أمثلتها glycoproteins التي تستخدمها الفيروسات للتعرف على المستقبلات الموجودة على الخلايا المستهدفة في جسم العائل. وبعد السنة الأولى تستجيب الخلايا المناعية لمركبات polysaccharides والموجودة على أغلفة الكثير من أنواع البكتيريا الممرضة.

وأثناء الحمل تنشط خلايا الذاكرة المناعية في جسم الحامل وتٌكون كمية كبيرة من الأجسام المضادة – والموجهة ضد أنواع كثيرة من الميكروبات – وهي من نوع IgG وتضخها من خلال المشيمة لدم الجنين لتمنحه المناعة ضد تلك الميكروبات خلال الأشهر الأولى من الولادة. ويستغرق جسم المولود فتره تتراوح بين سبعة أشهر إلى اثني عشر شهرا منذ ولادته ليصل مستوى الأجسام المضادة في جسمه من نوعي IgG and IgM إلى 50% من مستواها لدى البالغين. بينما الأجسام المضادة من النوع IgA تصل لذلك المستوى خلال ثلاث إلى خمس سنوات.  ولا شك أن برامج التطعيم المعروفة للجميع تمنح الأطفال مناعة ضد الكثير من الأمراض المعدية لمدة طويله، وعن طريقها تتحقق مناعة القطيع أو مناعة المجتمع Herd immunity or community immunity  لتلك الأمراض.

   ولا بد من الإشارة إلى ميزة الرضاعة الطبيعية خاصة في الأيام الأولى من الولادة لما يحتوي عليه حليب الأم من مكونات مناعية متعددة تعزز مناعة المولود ضد كثير من الأمراض المعدية. إن جهاز المناعة بمكوناته المختلفة يقاوم الفيروسات التي تغزو الجهاز التنفسي فخلايا Th-1 تنشط الخلايا الملتهمة المسماة Macrophage بإفراز سيتوكاين منشط لها ( IFN-γ ) والتي تقوم بدورها بالتهام الفيروسات ومن ثم التحضير لمرحلة إنتاج الأجسام المضادة بواسطة  الخلايا البائية وكذلك يتم تنشيط الخلايا المسؤولة عن المناعة الخلوية CD8, NK )) والتي تؤدي دورا مهما في قتل الخلايا المصابة بالفيروسات.

الاستجابة الالتهابية:  Inflammatory Response

  تعتبر هذه الظاهرة استجابة طبيعية لتعامل جهاز المناعة مع الأجسام الغريبة التي قد تصل إلى الجسم مثل البكتيريا والفيروسات وهي تتم على عدة مراحل. ويهمنا في هذه المرحلة ما يحدث في التعامل مع الفيروسات التي تصيب الجهاز التنفسي. ففي المراحل المبكرة تنشط الخلايا الملتهمة من نوعيMonocytes and Macrophages وتفرز العديد من السيتوكاينز مثل TNF-α

 والتي تسبب توسع الشعيرات الدموية في موضع الإصابة ومن ثم تحفيز أنواع متعددة من الخلايا البيضاء ومن أهمها Neutrophils لتصل لهذا الموضع كما تساهم مجموعه أخرى من السيتوكاينز (IL-1β,IL-6,Il-8,INF-γ) في هذه العملية. وكذلك فإن TNF-α يرتبط بالمستقبلات الموجودة على الخلايا المصابة ويسبب موت تلك الخلايا. ويوجد بالرئتين نوع خاص من الماكروفاج يسمى Alveolar Macrophage يفرز نفس أنواع السيتوكاينز السابقة ويعزز الاستجابة المناعية.

وفي المرحلة الثانية تقوم خلايا Dendritic Cells and Macrophages بالتعامل مع الفيروس وإظهار المركبات الهامة في عملية الإمراض لتتعرف عليها الخلايا التائية والتي تنشط بدورها الخلايا البائية عن طريق سايتوكاينز محدده ومن ثم تكوين أجساما مضادة، وبالتزامن يتم تنشيط الخلايا الخاصة بالمناعة الخلوية ومن أهمها cytotoxic-T cells لتتعامل هي الأخرى مع الخلايا المصابة بالفيروس وتقضي عليها.

وهناك ظواهر مصاحبه للاستجابة الالتهابية مثل تجمع السوائل والألم وارتفاع درجة الحرارة استجابةً لبعض المواد التي تفرزها الخلايا المناعية ومن أمثلتها Serotonin, Bradykinin, Prostaglandins. ومع أن الهدف من الاستجابة الالتهابية هو في الأساس حماية الجسم من الميكروبات الضارة، إلا إنه في حالة فشل جهاز المناعة نتيجة الخلل في التوازن بين ضراوة الفيروس والمكونات المناعية قد ينشأ التهاب شديد في الرئة Pneumonia فتمتلئ الحويصلات الهوائية بالصديد والسوائل مما يضعف قدرة الرئة على إمداد الأعضاء الأخرى مثل الكلية بالأكسجين فتتناقص وظيفتها وقد تؤدي إلى الفشل الكلوي والذي كان سبب وفاة الكثير ممن أصيبوا بفيروس الكورونا المُستَجِد وربما أصاب الفشل أعضاء حيوية أخرى بالجسم. والسبب الرئيس لكل هذا الخلل هو طغيان السيتوكاينز والتسبب فيما يعرف بعاصفة السيتوكاينز  Cytokine storm والتي تتسبب في حمى شديدة إضافة إلى الظواهر المرضية التي تمت الإشارة إليها أعلاه.

تدني نسبة الإصابة لدى الأطفال

لا شك أن الأطفال يصابون بفيروس SARS-cov-2 ولكن يبقى السؤال المهم لماذا لا تظهر عليهم الأعراض التي يعاني منها الكبار؟ ولماذا لا يعانون من مضاعفات الفيروس؟ ولماذا يسبب لهم فيروس آخر مثل الانفلونزا في كثير من الأحيان أعراضا شديده؟

  • لا شك أن الاستجابة المناعية لدى الأطفال تختلف عن الكبار فقد لوحظ أن ظاهرة عاصفة السيتوكاينز والتي تعتبر استجابة مناعيه قوية لدى الكبار والتي ربما تتسبب في تلف الرئتين لا تظهر لدى الأطفال لأن جهاز المناعة لديهم ما زال غضاً ولم يتعود بعد على الاستجابات القوية.
  • إن الأجسام المضادة التي يكونها الأطفال نتيجة لتلقيهم تطعيمات مختلفة ولتعرضهم لعوامل ممرضه أخرى ربما تتفاعل هذه الأجسام المضادة مع مكونات في فيروس الكورونا المستجد وبالتالي تقوم بتحييده.
  • لا شك أن الغده الزعترية لدى الأطفال –وهي المسؤولة عن إنتاج الخلايا التائية المكون الرئيس للمناعة الخلوية- أكثر نشاطا لديهم بسبب ضمورها مع تقدم العمر.
  • إن مستقبلات فيروسSARS-COV-2  وهي ACE- 2  لا توجد بكميه كبيره في رئتي الأطفال مثل الكبار مما يجنب الرئتين الإصابة الشديدة.
  • الكبار أكثر عرضة لمضاعفات الفيروس حيث يعاني الكثير منهم أمراضا أخرى تمثل عبئا على جهاز المناعة مثل مرض السكري وضغط الدم المرتفع وأمراض القلب وغيرها.
  • ربما تساهم حركة الأطفال النشطة وتغذيتهم الجيدة في تقوية مناعتهم مما يساهم في التغلب على الفيروس.
  • وأخيرا فقد ثبت أن الأجسام المضادة التي يكونها جهاز المناعة الخاص بالكبار لا تكون بقوة تلك التي تتكون لدى الأطفال.
  • ما زالت الأبحاث النشطة تجري على قدم وساق لمعرفة كنه وطبيعة هذا الفيروس وتطوير علاجات ولقاح، وهناك الكثير من الأسئلة التي تحتاج لإجابات ومنها:
  • هل الأجسام المضادة التي يكونها جهاز المناعة تعمل بصورة فعّاله ضد الفيروس أم هناك آليات يستخدمها للتغلب على تلك الأجسام؟ كما يفعل فيروس HIV وكذلك البكتريا المسببة لمرض الزهري. وهل لديه القدرة على تصنيع بروتينات خاصة به شبيهة ببروتينات جهاز المناعة ليخدع هذا الجهاز؟
  • هل التغيرات الجينية للفيروس تساهم في شدة العدوى والإصابات المتكررة بالفيروس لنفس الشخص؟
  • هل إذا استطاع العلماء أن يحيدوا مستقبلات الفيروس ACE-2 هل يضمنون ألا يبحث الفيروس عن مستقبلات أخرى لدخول الخلايا؟
  • هل يمر الفيروس بفترة كمون في الجسم في اعضاء بعيده عن تأثيرات جهاز المناعة مثل فيروس Herpes
  • هل الأعراض التي ظهرت لدى الكثير في الجهاز العصبي مثل فقد حاسة الشم غيرها سببها الفيروس نفسه؟ أم هو الاستجابة الالتهابية لجهاز المناعة وأحد تبعات ما يسمى بعاصفة السيتوكاينز؟

هذه الاسئلة وغيرها سيجيب عنها العلماء في المستقبل القريب وفي ظل التقدم المطرد في طرق التكنولوجيا الحيوية وبالتعاون بين الفرق البحثية في الدول المختلفة -إن وجد –

ونحن ما زلنا نحاكي ما كان يقوم به العلماء في القرن التاسع عشر من وضع نظريات ثم محاولة إثباتها بالطرق العملية والملاحظات الدقيقة.. والمعركة الجارية بيننا وبين الفيروس ربما تدوم بعض الوقت ويبقى التفاؤل سيد الموقف، والله نسأل أن يصرف عن البشرية جمعاء هذا الوباء.

ملاحظة/ تم نشر هذا المقال في منظمة المجتمع العلمي العربي وإليكم الرابط

http://arsco.org/article-detail-1624-2-0?fbclid=IwAR1YyJgH2U5UTbmhi1UOMcg-sg_b1VyKy1phOq7a_8TmYb_Cpt98v3jhrXA