الرئيسية >> مقالات عربية وأجنبية مختارة >> هل يعبث لقاح كورونا الجديد في تركيبة الإنسان الوراثية؟

هل يعبث لقاح كورونا الجديد في تركيبة الإنسان الوراثية؟

بقلم: أ. د عبد الرؤوف المناعمة- أستاذ الأحياء الدقيقة بالجامعة الإسلامية بغزة/ فلسطين

بمجرد الإعلان عن خبر نجاح لقاح ألماني-أمريكي بدأت تخرج العديد من المقالات والمنشورات والتغريدات بأن هذا اللقاح سيعبث بالمادة الوراثية للبشر وانتشرت هذه المعلومات “المغلوطة” بشكل كبير بين الناس وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وللأسف تبني ونشر هذه الشائعات من قبل متعلمين وباحثين يحملون درجات علمية رفيعة في بعض الأحيان يعطي هذه المعلومات المصداقية لدى الجمهور.

ولإيضاح الصورة لابد من شرح مفصل وفهم جيد للمادة الوراثية وهذا قد لا يكون سهلاً على القارئ غير المختص وسنحاول في هذا المقال شرح موجز لبعض تفاصيل المادة الوراثية.

أولا خلايا الكائنات الحية تنقسم إلى حقيقية النواة وأخرى بدائية النواة والاختلاف الرئيسي بينهما كما يوحي الاسم هو في طبيعة النواة. الكائنات حقيقة النواة “مثل الإنسان” تمتلك غشاء نووي بينما الأخرى “مثل البكتيريا” ليس لديها غشاء نووي. وبالنسبة للفيروسات فهي لا تصنف ضمن أي من النوعين نظراً لأنها لا تمتلك مقومات الخلية أصلاً ولها خصوصية من ناحية القدرة على التكاثر سنتحدث عنها لاحقاً.

تتكون المادة الوراثية في الكائنات الحية (حقيقية النواة أو بدائية النواة) من الحمض النووي الديوكسي ريبوز DNA وهو شريط مزدوج يتكون من تتابع نيكلوتيدات معروفة. طول الشريط تسلسل النيكلوتيدات يختلف من كائن لآخر، ويسيطر هذا الشريط المزدوج على صفات الكائن ويميزه أيضا عن الكائنات الأخرى. وهناك نظام صارم في عمليات نسخ وترجمة المادة الوراثية ومن ضمن هذا النظام نسخ DNA إلى mRNA ” حمض نووي ريبوزي مراسل أو رسول ” وهذا الحامض النووي ليس له أي وظيفة في النواة وينقل إلى خارج النواة ليتم قراءته وتحويل المعلومات التي يحتويها إلى بروتين (تعرف العملية بالترجمة). مرة أخرى نؤكد على أن هذه العملية تتم في خارج النواة بعيدا عن ال DNA كما هو موضح في الشكل.

ينتج عن عملية الترجمة بروتينات ذات وظائف متعددة بحسب الجزء الذي تم نسخه وترجمته. وبعد الترجمة يتفكك ال mRNA  إلى عناصره الأولية ويعاد استخدامه وتوظيفه. فهو لا يبقى لفترات طويلة. ونود أن نذكر القارئ الكريم بأننا نتحدث هنا عن mRNA تنتجه خلايانا نحن والغرض منه مرة أخرى إنتاج بروتين ذو وظيفة أو أكثر يؤديها.

اللقاح الذي أثار الجدل مكون من مادة mRNA التي استطاع العلماء إكثارها معملياً والمعلومات التي يحتويها هذا المراسل هي إنتاج بروتين محدد من بروتينات فيروس كورونا وهنا لابد من التأكيد أننا نتحدث عن قطعة واحدة “مكررة” من المراسل وليس كل معلومات فيروس كورونا.

اللقاحات المعتمدة على المادة الوراثية

منذ بدايات الهندسة الوراثية نشأت أفكار لتطوير لقاحات بتقنيات وراثية متنوعة، بعضاً من هذه الأفكار اندثر والبعض الآخر ازدهر. في الآونة الأخيرة تم العمل على تطوير لقاحات مبتكرة تعتمد على استخدام المادة الوراثية للفيروس، أي RNA أو DNA، كمستضد (أنتجين) عوضاً عن استخدام مستضد بروتيني كما هو معتاد في إنتاج اللقاحات.

وهنا لا بد من عودة إلى تركيب الفيروسات والخصوصية التي تتمتع بها. الفيروسات تتكون من مادة وراثية مغلفة بغشاء بروتيني. المادة الوراثية في الفيروسات قد تكون DNA  أو RNA  لكن ليس كلاهما بينما الخلايا الحية تمتلك كليهما في نفس الوقت. ولربما قبل اكتشاف الفيروسات لم يكن لدى العلماء معرفة بأن ال RNA  قد يشكل مادة وراثية لأي مخلوق لكن بعد التعرف على الفيروسات وجد أن هناك أعداداً كبيرة تعتمد بشكل أساسي على ال RNA  كمادة وراثية (تحمل الصفات الوراثية للفيروس).  وعلى سبيل المثال، فإن فيروس كورونا ينتمي لهذه المجموعة من الفيروسات. الغلاف الذي يحتوي المادة الوراثية في الفيروسات له دور مهم في الارتباط في خلايا الإنسان ومن ثمّ إدخال المادة الوراثية إلى الخلايا. وداخل الخلايا تتم ترجمة المادة الوراثية الكاملة للفيروس وينتج عنها نسخ من الفيروس يمكن أن تغزوا الخلايا المجاورة.

عوضاً عن إنتاج كميات كبيرة من المستضدات البروتينية (بروتينات الأشواك في فيروسات كورونا) ووضعها في اللقاحات الاعتيادية، تقوم فكرة لقاحات الـ RNA على استخدام سلاسل “RNA مراسل” (mRNA)، والتي تحمل المعلومات لإنتاج البروتينات الفيروسية المطلوبة، وتسخيرها لإنتاج المستضدات الفيروسية في خلايا جسم الإنسان. وبدوره يتعرف جهاز المناعة على هذه المستضدات كأجسام غريبة ويقوم برد فعل مناعي ضدها. ردة الفعل هذه تعطي الجسم مناعة جزئية ضد الفيروس وقدرة مستقبلية على التعرف على الفيروس حال دخوله الجسم وتكون ردة الفعل المناعية أسرع بسبب خلايا الذاكرة التي تشكلت خلال التطعيم.

تعتمد لقاحات الـمادة الوراثية DNA على مبدأ مشابه، يتضمن إدخال سلاسل DNA دائرية cDNA تحمل المعلومات لإنتاج المستضدات البروتينية المطلوبة في خلايا الإنسان، حيث يتم نسخ الـ DNA إلى mRNA ومن ثم ترجمته إلى بروتينات فيروسية. 

على الرغم من أن اللقاحات التي تستخدم المادة الوراثية منطقية وجيدة من الناحية النظرية، إلا أنها تواجه تحديات عديدة من الناحية العملية والتطبيقية. ومن أهم هذه التحديات هو صعوبة دخول جزيئات الـ RNA والـ DNA إلى خلايا المضيف بنجاعة. ونجح الباحثون في التغلب على هذه العقبة بواسطة استخدام حويصلات دهنية (liposomes) أو مواد بوليمرية، تثبّت مبنى الـ RNA وتعمل كحامل يُدخله إلى خلايا الهدف بدقة.   ورغم أنّ لقاحات الـ DNA أكثر ثباتاً بشكل عام، تُعتبر لقاحات الـ mRNA أكثر ملاءمة لإنتاج اللقاحات الفيروسية، لكونها أنجع في تحفيز رد فعل مناعي قوي. ومع ذلك لم تتم الموافقة على لقاح RNA للاستخدام البشري حتى الآن، وما زالت الأبحاث جارية في هذا المجال. وحال اعتماد اللقاح لفيروس كورونا فسيكون أول لقاح mRNA  في التاريخ.


ما الذي لا نعرفه بعد عن هذا اللقاح؟

  • ما إذا ما كان اللقاح يمنع الشخص عن نشر الفيروس أو يمنع فقط ظهور الأعراض؟
  • هل يعمل بنفس الكفاءة لدى الأشخاص المسنين المعرضين لخطر شديد أو ذوي المناعة الضعيفة؟
  • إلى متى تدوم المناعة بعد تلقي اللقاح …أشهر…سنوات؟…لا ندري

التحديات

يواجه إنتاج هذا اللقاح عدة تحديات نذكر منها:

  • سرعة الإنتاج والطلب الشديد على إنتاج بلايين الجرعات.
  • الحفظ والتخزين والنقل يتطلب مكان شديد برودة على حرارة أقل من 80 درجة مئوية تحت الصفر.
  • تحديد الأوليات للفئات التي يجب تطعيمها أولاً.
  • توفير الدعم المالي لشراء ونقل كميات ضخمة خاصة في الدول الفقيرة.
  • عدالة التوزيع العالمي.

خاتمة

لا يوجد شيء آمن في الطب بنسبة 100%، وقد تظهر آثار جانبية نادرة جدًا عندما يتم تطعيم ملايين الأشخاص، وهذا ما يحدث مع جميع اللقاحات المتداولة منذ عقود. ولكن حتى في وجود أعراض جانبية طفيفة ونادرة فإنها لا تقلل من أهمية اللقاح ودوره في مكافحة الأوبئة وانقاذ البشرية من الجائحة.

بالنسبة للقاحات المعتمدة على الحامض النووي الريبوزي (mRNA ) ، فقد تم اختبار اثنين منها وكانت الفعالية مرتفعة والأعراض الجانبية قليلة و من المتوقع أن يحصلا على اعتماد رسمي من الجهات الطبية الدولية. وبالمناسبة حتى تلك التي تحصل على اعتماد وتستخدم، تخضع لتقييم ومراقبة، وفي حال ظهور أي مؤشرات خطرة يتم سحبها من الأسواق كما يحدث أيضا مع العقاقير.

https://arsco.org/article-detail-1780-2-0

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*