بسم الله الرحمن الرحيم


إتفاقية جنيف الرابعة وحماية المدنيين زمن الحرب


ورقة عمل مقدمة خلال اليوم الدراسي بعنوان” حماية المدنيين زمن الحرب بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية” والمنعقد في كلية الشريعة والقانون بالجامعة الإسلامية – فرع الجنوب بتاريخ 21/4/2008.


مقدمة من أ. هشام حسين أبو ندى


تمهيد:


من الحقائق الثابتة والمؤكدة أن المدنيين هم أكثر من يكتوي بنيران الحروب، خاصة في ظل استخدام الأسلحة الحديثة المدمرة والتي لا تفرق بين المقاتلين وغيرهم من المدنيين أو بين الأهداف العسكرية والمدنية، مما حدا بالمجتمع الدولي إلى بذل الجهود لإقرار قواعد تضع القيود على استخدام الأسلحة أثناء العمليات العسكرية، والتي عرفت لاحقاً بقواعد أو قانون لاهاي وقانون جنيف.


ولكن قبل الخوض في الحماية التي تضمنها قانون جنيف للسكان المدنيين ابان النزاعات المسلحة، نرى أنه من الضروري التطرق للحماية السابقة على اتفاقيات جنيف.


فمن الثابت أن العصور القديمة لم تعرف أية قيود على استخدام القوة، حيث كان يعترف للدولة بالحق المطلق بشن الحروب، حيث كانت الحرب تعتبر وسيلة مشروعة لاقتصاص الحقوق وتسوية النزاعات الدولية، وكانت تلك الحروب تنطوي على الكثير من القسوة والضراوة والعنف والوحشية، وكانت الحرب تتمخض دوماً عن انتصاراً دامياً للطرف الأقوى بسبب ما كان يتم أثناءها وبعدها من مذابح ومشانق.


ولم تظهر اية اشارات للحد من تلك القسوة التي كانت تتصف بها الحروب الا مع ظهور الأديان السماوية، التي جاءت بالتعاليم الانسانية السمحة التي تحض على السلام وتنفر من الحرب وتنهى عن القتل.


على الرغم من ذلك وفي العصور القديمة والوسطى ظلت الحروب تتصف بالقسوة والوحشية الى أن ظهرت بعض الأفكار الإنسانية التي نادى بها بعض الفقهاء ممن يعتبرون أباء للقانون الدولي ومنهم جروسيوس وفاتيل وجان جاك روسو. الى أن تطور مفهوم القانون الدولي الانساني بشكله الراهن بما يتضمنه من اتفاقيات دولية أرست قواعد هامة لحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة، ومن أهمها اتفاقيات جنيف الأربعة وخصوصاً الاتفاقية الرابعة والبروتوكلين الملحقين بها.


واذا كانت أوروبا تفتخر اليوم بأنها توصلت إلى اقرار هذه القواعد في منتصف القرن العشرين، فإن الشريعة الاسلامية قد أرست هذه القواعد وأوجبت على جيوش المسلمين احترامها في قتالهم وحروبهم منذ أكثر من أربعة عشر قرنً من الزمان.


 


حماية المدنيين في ظل اتفاقيات جنيف للعام 1949 والبروتوكولين الملحقين للعام 1977      


كان القانون الدولي قبل الحرب العالمية الثانية لا يتناول إلا تنظيم أمور العسكريين في ميدان الحروب والنزاعات المسلحة فقط، ولا يوفر الحماية اللازمة للمدنيين بإعتبار أنهم خارج نطاق الحرب. ولكن التاريخ أكد للجميع وبخاصة الحرب العالمية الثانية وما نتج عنها من ويلات بأن المدنيين يمكن أن يكونوا الضحية الأولى للحروب.


لذلك, وبعد الحرب العالمية الثانية قامت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بمراجعة ثلاث اتفاقات دولية وهي اتفاقيتا جنيف للعام 1929 والأولى منها تتعلق بمعاملة أسرى الحرب والثانية تتعلق بالمقاتلين الجرحى والمرضى. أما الاتفاقية الثالثة فكانت اتفاقية لاهاي للعام 1907 والتي تتناول بصفة خاصة الحرب البحرية. ومن ثم قامت اللجنة بوضع اتفاقية خاصة بحماية المدنيين من ضمن أربع اتفاقيات أخرى تم تبنيها من قبل المجتمع، الدولي حيث التقت لهذا الغرض 63 دولة في جنيف بسويسرا في الفترة ما بين 21 أبريل-12 أغسطس 1949 وهذه الإتفاقيات الأربعة هي:


* إتفاقية جنيف الأولى: لعام 1949 والتي تتعلق بحماية الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة في الميدان.


* إتفاقية جنيف الثانية: لعام 1949 وتتعلق بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى والغرقى بالقوات المسلحة بالبحار.


* إتفاقية جنيف الثالثة: لعام 1949 وتتعلق بمعاملة الأسرى.


* إتفاقية جنيف الرابعة: : لعام1949 وهي تختص بحماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب أو تحت الإحتلال. إلا أن حروب التحرير ظلت خارج نطاق هذه الإتفاقيات رغم تأثيرها المباشر على أحوال المدنيين والعسكريين على السواء، ولم يتوصل المجتمع الدولي إلى صيغ قانونية مقبولة إلا عام 1977 عندما تم إضافة البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني إلى اتفاقيات جنيف الأربع:


- البروتوكول الإضافي الأول: والذي تضمن الباب الأول منه قاعدة طالما انتظرتها شعوب ما يسمى بالعالم الثالث وخاصة مناضلوا حركات التحرير. حيث تم رفع مرتبة حروب التحرير إلى مرتبة النزاع المسلح الدولي، كما اعترف لمقاتلى حرب العصابات بصفة المقاتلين ومن ثم بصفة أسرى الحرب إذا ما وقعوا في قبضة العدو.


- أما البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف فيتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية.


هذا وتعتبر اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولين الملحقين او ما يعرف( بقانون جنيف) بالإضافة الى مبادىء قانون لاهاي تعتبر الركائز الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي الانساني والذي هو أحد فروع القانون الدولي العام و يهدف إلى حماية الأشخاص المتضررين في حالة قيام النزاعات المسلحة كحماية الممتلكات والأموال التي ليست لها علاقة بالعمليات العسكرية كما يسعى لحماية السكان الغير مشتركين بصورة مباشرة أو الذين كفوا عن الإشتراك في القتال مثل الجرحى والغرقى وأسرى الحرب.


وفي هذا المقام نرى أنه من الضروري أن نعرض لأهم المبادىء الأساسية التي يتضمنها “قانون جنيف”:-


    يجب الا تتنافى مقتضيات الحرب واحترام الذات الانسانية .


-        حصانة الذات البشرية : ليست الحرب مبررا للاعتداء على حياة من لا يشاركون في القتال  او الذين  لم يعودوا  قادرين على ذلك .


-        منع التعذيب بشتى انواعه، ويتعين على الطرف الذي يحتجز رعايا العدو ان يطلب منهم البيانات  المتعلقة بهويتهم فقط، دون اجبارهم على ذلك.


-        احترام الشخصية القانونية ، فضحايا الحرب الأحياء  ممن يقعون في قبضة العدو يحتفظون بشخصيتهم القانونية وما يترتب عليها من اعمال قانونية مشروعة.


-        احترام الشرف والحقوق العائلية والمعتقد والتقاليد وتكتسي الاخبار  العائلية  اهمية خاصة في القانون الانساني وهناك جهاز خاص في “جنيف” هو وكالة  الابحاث تتولى جمع الاخبار ونقلها الى من له الحق في ذلك .


-        الملكية الفردية محمية ومضمونة.


-        عدم التمييز ، فالمساعدة والعلاج ومختلف الخدمات والمعاملة بصورة عامة تقدم للجميع دون فرق الا ما تفرضه الاوضاع الصحية والسن.


-        توفير الامان والطمأنينة وحظر الاعمال الانتقامية والعقوبات الجماعية واحتجاز الرهائن، واذا ارتكب شخص يحميه القانون الانساني جريمة فانه يعاقب وفقا للنصوص المعمول بها مع مراعاة الضمانات القضائية  على مستوى الاجراءات قبل التحقيق وبعده وعند المحاكمة وبمناسبة تنفيذ الحكم.


-        حظر استغلال المدنيين او استخدامهم لحماية اهداف عسكرية


-        منع النهب والهجوم العشوائي والاعمال الانتقامية


-        منع اعمال الغش والغدر .


 


وفيما يلي سنعرض مقتطفات من أهم ما تضمنته اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب:


 المــادة (1)


تتعهد الأطراف السامية بأن تحترم هذه الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال


المــادة (2)


علاوة على الأحكام التي تسري في وقت السلم، تنطبق هذه الاتفاقية في حالة الحرب المعلنة أو أي اشتباك مسلح آخر ينشب بين طرفين أو أكثر من الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يعترف أحدها بحالة الحرب.
تنطبق الاتفاقية أيضاً في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي لإقليم أحد الأطراف السامية المتعاقدة، حتى لو لم يواجه هذا الاحتلال مقاومة مسلحة.
وإذا لم تكن إحدى دول النزاع طرفاً في هذه الاتفاقية، فإن دول النزاع الأطراف فيها تبقى مع ذلك ملتزمة بها في علاقاتها المتبادلة. كما أنها تلتزم بالاتفاقية إزاء الدولة المذكورة إذا قبلت هذه الأخيرة أحكام الاتفاقية وطبقتها.


المــادة (3)


في حالة قيام نزاع مسلح ليس له طابع دولي في أراضي أحد الأطراف السامية المتعاقدة، يلتزم كل طرف في النزاع بأن يطبق كحد أدنى الأحكام التالية :
1) الأشخاص الذين لا يشتركون مباشرة في الأعمال العدائية، بمن فيهم أفراد القوات المسلحة الذين ألقوا عنهم أسلحتهم، والأشخاص العاجزون عن القتال بسبب المرض أو الجرح أو الاحتجاز أو لأي سبب آ