حديث حذيفة في لزوم الجماعة

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي جعل لزوم الجماعة حِرزاً من مكائد الشيطان، والصلاة والسلام على رسول الله r الذي حذّر من افتراق الأمّة، عملاً بآيات القرآن، أما بعد:


روى الإمام البخاري من حديث أبي إدريس الخولاني، أنه سمع حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ” نعم “. قلت: فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ” نعم، وفيه دخَن “. قلت: وما دخَنه؟ قال: ” قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر “. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: ” نعم، دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها “. قلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: ” هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا “. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: ” تلزم جماعة المسلمين وإمامهم “. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: ” فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعضّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك “. صحيح البخاري، ح 7084


وروى الإمام مسلم من حديث أبي سلام، عن حذيفة، أن النبي r بيّن الشر الأخير بقوله: ” يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنّون بسنّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنسان ” قال – يعني حذيفة – قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: ” تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع “.


مسائل الحديث:


المسألة الأولى: لقد فطر الله تعالى الناس على حب الخير وانتظاره والتطلع إليه، وكراهية الشر وبغضه واستبعاده، فما الذي جعل حذيفة يسأل عن الشر، ويترك السؤال عن الخير؟


أجاب حذيفة عن ذلك بنفسه، فقال: ” وعلمت أن الخير لن يسبقني “، هذا مع إيمانه بأن الله تعالى لا يقدر للعبد إلا الخير، وإن بدا في ظاهره شراً. قال سبحانه في حديث الإفك: ( لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم ) النور 11، وقال تعالى في القتال: ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) البقرة 216، وقال أيضاً:         ( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله في خيراً كثيراً ) النساء 19.


لكن حذيفة – رضي الله تعالى عنه – يسأل عن الشر ليعرفه  ويتوقّى الوقوع فيه، فقد علل سؤاله عن الشر بقوله: ” مخافة أن يدركني “.


فحذيفة ينظر إلى المستقبل؛ ليعلم ما فيه من الشر، ويكون على بينة من أمره، فلا يفاجأ به فيضطرب ويحارَ في تجنبه، فأسئلته قائمة على فكرة اتقاء الشر.


المسألة الثانية: وضّح النبي r أنه سيأتي على الأمة زمان يظهر فيه أئمة يتأمّرون عليها، وهم يتنكّبون هديه r، وينكصون عن لزوم سنته، ولا غرابة في تسميتهم أئمة. قال تعالى: ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) القصص 41، كما أمر تعالى بقتال أولئك الأئمة، فقال سبحانه: ( فقاتلوا أئمة الكفر ) التوبة 12، وعلل سبحانه الأمر بقتالهم بنكثهم أيمانهم، وأن المراد من قتالهم أن ينتهوا عن ذلك.


ويظهر لي أن هؤلاء الأئمة يساندهم رجال: الجسم جسم إنسان، والشكل شكل إنسان، والقلب قلب شيطان، وقد وصفت رواية البخاري هؤلاء المساندين بأنهم دعاة على أبواب جهنم، فوظيفتهم إضلال الناس وإغواؤهم، وذلك بتزيينهم أفعال الأئمة، أي الأمراء الذين يهدون بغيرهديه r، ويستنّون بغير سنّته، وأنهم لا يبالون بقذف أتباعهم في جهنم، فلولا الدعاة المساندون لم يصنع أمراء الشر شيئاً، ولم يفلحوا.


كما أنه لا غرابة في وصف أولئك الدعاة بالشياطين، فقد قال عزّ وجلّ: ( وكذلك جعلنا لكلّ نبيٍّ عدوًّا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً ) الأنعام 112، وقال جلّ وعلا: ( وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم ) الأنعام 121.


المسألة الثالثة: هؤلاء الدعاة أصحاب طريقة ضالة منحرفة، فلا هم استنّوا بسنّة، ولا هم اهتدوا بهديٍ، ويظهر لي أن من هؤلاء الدعاة من يدعو إلى الشرك والكفر والنفاق قولاً وعملاً، ومنهم من يدعو إلى الاشتراكية والشيوعية منهجاً، ومنهم من يدعو إلى العلمانية أو العولمة فكراً وطريقة، كما يدخل في هؤلاء دعاة التغريب، وأنصار التبشير، وأعوان الصهيونية، وأشياع الامبريالية، وكلُّ من سوّق للفِكَر والمناهج الوضعية الباطلة، أو دعا إلى اتباع أئمتها ومروّجيها والحاكمين بها.


المسألة الرابعة: يظهر لي من قوله r: ” تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك، فاسمع وأطع ” أن معناه ما ورد في رواية أبي إدريس الخولاني، عن حذيفة: ” تلزم جماعة المسلمين وإمامهم “، فلابد للمسلم عند ظهور أئمة الشر أن يبحث عن الجماعة القائمة على أمر الإسلام، وأن يلتزمها، وأن يطيع لإمامها، فإن لم يفعل فليس مأموناً أن يسمع ويطيع لأمراء الشر والدعاة على أبواب جهنم، فيقع فيها، فكان لزوم جماعة المسلمين وإمامهم، والسمع والطاعة لإمامهم – ولو جُلد ظهر المسلم، وصودر ماله في سبيل ذلك – أولى وأصوب من الانجرار خلف أئمة الضلال، ودعاة جهنم؛ لأن فيه نجاة المسلم في الدنيا والآخرة.


وأما جماعة المسلمين الواجب لزومها فقد ذكر ابن الملقن أقوال العلماء في بيان حقيقتها، وإيضاح مفهومها، ثم رجّح قول إمام المفسرين الطبري في أنها السواد الأعظم من المسلمين مع الإمام الجامع لهم. التوضيح لشرح الجامع الصحيح 32/339.


وهذا يعني أنها الجماعة الأكبر، وأنها الجماعة التي يتبعها ويسير على منهجها أغلب المسلمين.


المسألة الخامسة: يظهر لي أنه ليس المقصود من الحديث السمع والطاعة للأمير الذي يجلد ظهورنا ويأخذ أموالنا؛ للتعبير بالبناء للمفعول في قوله: ” ضُرِب – أُخِذ “، ولأن هذا الفعل من السكوت على المنكر الذي يجب إنكاره، لا التسليم به؛ لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي r قال: ” من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ” رواه مسلم، ح49.


وروى أبو سعيد الخدري وأبو أمامة الباهلي عن النبي r قال: ” أفضل الجهاد كلمة عدل – حق – عند سلطان جائر ” سنن ابن ماجه، ح4011، 4012.


وفي حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: ” من قتل دون ماله فهو شهيد ” صحيح البخاري، ح2480.


وروت أم سلمة عن النبي r قال: ” إنه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع ” صحيح مسلم، ح1854.


وكذلك حديث أسامة بن زيد في تكليمه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم في أمر توليته لأقاربه، وفي أمر أخيه لأمه. انظر صحيح البخاري، ح3267، وغيرها من الأحاديث.


وقد خطب أبو بكر إمام السلف بعد رسول الله في الناس يوم تولى الخلافة، فقال: ” …إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني… أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم…” جولة تاريخية في حياة الخلفاء الراشدين ص16.


فمجموع النصوص يفيد أنه يجب إنكار المنكر على أمراء الشر، ودعاة جهنم، وغيرهم، وأنه لا ينبغي التسليم بجلد ظهورنا، وأخذ أموالنا.


كما يظهر لي أنه لا يبعد أن يقع الإنكار بحسب الحال، فمن كان لديه قدرة كافية على إنكار المنكر، والدفاع عن ظهره وماله، دون أن يؤدي إلى منكر أكبر منه، فواجبه الدفاع وعدم التسليم، وإن لم يكن كذلك فالسكوت، والله أعلم.


المسألة السادسة: مسألة الاعتزال، فقد ورد في الحديث: ” فاعتزل تلك الفرق كلها…” وهذا في حق من لم يتبين له وجه الحق عند وقوع الفتنة، وفي حق من لم يهتدٍ إلى جماعة المسلمين وإمامهم، فاضطرب في ذلك.


على أن الاعتزال له محاذير، منها أنه إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وأن الشيطان مع الواحد، وأن المنفرد قد تحدثه نفسه بالمعصية، ونحو ذلك.


أما إذا كان الاعتزال بقصد تحقيق الخلوة الشرعية التي يذكر فيها المسلم ربه خالياً فتفيض عيناه، أو تقع الخلوة للتفكر والتأمل في ملكوت السماوات والأرض، أو ليراجع المسلم فيها حساباته مع نفسه ويقوّم أداءه، فلا بأس بها عندئذًٍ.


أما الاعتزال الوارد في الحديث فهو مسألة افتراضية؛ لأن الزمان لا يخلو من جماعة قائمة على أمر الله تعالى، كما ذهب إليه جمهور عريض من السلف والخلف، مستدلّين بما تواتر عن رسول الله r أنه قال: ” لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ” صحيح مسلم، ح1920-1925.


ويظهر لي أنه إذا صحّ منهج الاعتزال فهو منهج فردي؛ لأن العزلة الجماعية تؤدي إلى نشوء فِرَقٍ جديدة؛ مما يزيد في تشظّي الأمة وافتراقها وتفككها، وهو أمر منهي عنه نهي تحريم؛ لقوله تعالى: ( ولا تفرقوا ) آل عمران 103، وقوله عزّ وجلّ: ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم ) آل عمران105، وقوله جلّ وعلا: ( من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون ) الروم 32.


تنبيه: يتحدث بعض أهل العلم في زماننا عن أن المسلم يحار وهو يبحث عن جماعة المسلمين وإمامهم، ثم يقولون: الواجب اتباع الجماعة الفلانية، ولا يجوز الخروج على…، والحقيقة أن الحائر لا رأي له كالإمعة، فلا يؤخذ بفتواه ولا بقوله، والله أعلم.

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.