دحض شبهات المكفرين

بسم الله الرحمن الرحيم


الفكر الإسلامي الوسطي ودحض شبهات المكفرين           


الحمد لله الذي أقام الدينَ وكلَّ شيء في هذا الوجود على التوازن والاعتدال، والصلاة والسلام على رسول الله الذي بيّن لنا الطريق إلى الوسطية، وحذّر من الانحراف عنها إلى الغلوّ أو التفريط، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:


لقد ظهر في زماننا فريقان من المسلمين ضلُّوا الطريق، وانحرفوا عن السبيل، وزاغوا عن المنهج الإسلامي الرشيد والسديد في فهم هذا الدين، والعملِ له وبه، أحدهما: تساهل فيه حتى ضيّع أحكامه وحدوده، وهذا الصنف معروف للجميع.


والآخر: تشدّد في هذا الدين، بدافع الإخلاص والورع والتقوى، والناس يُخْدَعون به؛ ظناً منهم أن هذا هو التديّن الصحيح، وأن الاستقامة تقتضي ذلك، وليس الأمر كذلك.


فقد جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أُخْبِروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا:  وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ” أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مني ” رواه البخاري  ح5063.


أما المصلي فإن فعله يتناقض مع كون الليل سُبَاتاً لراحة الإجساد من عناء النهار الذي قال الله فيه: ( إن لك في النهار سَبْحاً طويلاً ” المزمل 7.


وأما الصائم للدهر كله، فإنه سيصطدم بأيام يحرم فيها الصوم كالعيدين ويوم الشك، فهل سيصوم؟ ويكون عندئذٍ عاصياً، أم سيفطر؟ وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص عن صيام الدهر، وكانت نتيجة الحوار بينهما أن أذن له صلى الله عليه وسلم أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، كصيام داود عليه السلام، وعلل هذا بأنه لا شيء من الصيام أفضل منه، لما قال عبد الله بن عمرو: إني أطيق أفضل من ذلك، لكنه ندم في آخر حياته أنه لم يأخذ برخصة النبي صلى الله عليه وسلم. انظر صحيح مسلم ح1159.


وأما معتزل النساء فإنه لن ينجب ذرية، فلو قال كل مسلم مثل قوله لبقي الإسلام في الأرض من 60-70 سنة ثم اندثر، لأنه سيموت كل مسلم موجود آنذاك في هذه الفترة، وينتهي الإسلام من الوجود؟ فهل هذا دين، أو إخلاص، أو تقوى، أو ورع؟


لقد أفرط النصارى في اعتبار الزواج نجاسة ينبغي اجتنابها، وكانت النتيجة لهذه الرهبانية المقيتة أن أصبحنا نسمع ونقرأ عن نقل الراهبات من الكُنُس والأديرة لوضع مواليدهن في المشافي، فأين الرهبنة والانقطاع للعبادة؟ وهذا يعني أنهم منعوا أنفسهم من الزواج الحلال، واستبدلوه بالزنا والفاحشة القذرة؛ لأن رهبانيتهم مخالفة للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وصدق الله العظيم: ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها…) الحديد 27.


والنبي صلى الله عليه وسلم يخبر في نهاية الحديث أنه أتقانا لله وأعلمنا به، ويقرر أن من رغب عن سنته فليس منه، أي من تشدّد وحاد عنها، وابتعد عن الوسطية فليس أعلم بالله، ولا أتقى لله.


وجاء في القرآن الكريم: ( قل يا أهل الكتاب لا تَغْلُوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ) المائدة 77، وجاء فيه أيضاً: ( يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) المائدة 88، وروي في سبب نزول هذه الآية: أن عثمان بن مظعون وعليَّ بن أبي طالب وابنَ مسعود والمقدادَ بن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة تبتَّلوا؛ فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المُسُوح، وحرّموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهمّوا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت الآية، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: ” إن لأنفسكم عليكم حقاً، وإن لأعينكم حقاً؛ صوموا وأفطروا، وصلّوا وناموا، فليس منا من ترك سنّتَنا ” فقالوا: اللهم سلَّمْنا واتبعنا ما أنزلت. انظر عمدة التفسير 1/720، وشرح العقيدة الطحاوية ص447-448.


وللعلم، فإن منهج التفريط في الدين هو منهج اليهود، كما أن منهج الغلوّ والتشدد في الدين هو منهج اليهود المغضوب عليهم والنصارى الضالين على حدٍّ سواء.


أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بعث بالقرآن من بعد موسى وعيسى؛ ليكون دينه الإسلام الذي ارتضاه الله لنا ديناً هو الدين الوسط القائم على منهج الاعتدال والتوازن في كل شيء، وأخبرنا الله تعالى أن الدين عنده الإسلام، وأن من يبتغي غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.


ولنكون شهداء على العالمين، ويكون الرسول علينا شهيداً، ولنكون خير أمة أخرجت للناس، جعلنا الله تعالى أمةً وسطاً، فكان من دعائنا في كل ركعة نركعها لله: ( اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ) الفاتحة 6-7.


وأخبر ربنا سبحانه أن الذين أنعم الله عليهم هم النبيون والصِّدِّيقون والشهداء والصالحون، فقال جلّ وعـلا: ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ) النساء 69.


كما أمرنا الله تعالى باتباع صراطه، وترك السبل الأخرى، ووضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا إذ خطّ خطًّا، وخطّ خطّيْن عن يمينه، وخطّ خطّيْن عن يساره، ثم وضع يده في الخطّ الأوسط فقال: ” هذا سبيل الله ” ثم تلا هذه الآية: ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ) الأنعام 153، وانظر: سنن ابن ماجه ح11.


من هنا كان خير الأمور أوسطها. انظر ضعيف الجامع الصغير ح1252، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا… ” صحيح البخاري ح39، كما أخبرت عائشة رضي الله عنها أنه: ” ما خيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً…” رواه البخاري ح3560.


لهذا كله فإن من المؤكد أن الغلوّ والتشدّد – ولو في بعض مسائل الدين – هما من الضلال والانحراف عن الإسلام، والزيغ عن منهجه. قال سبحانه: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدَّكِر ) القمر 17، 22، 32، 40.


ولقد ظهر في زماننا بعض التشدد والتنطع بظاهر علم أو بغير علم، فظهر التشهير بالمسلمين تصريحاً أو تلميحاً، ووصل الأمر أحياناً إلى حد السب الظاهر، وتعدّاه إلى التكفير على ألسنة البعض، استناداً إلى العمل بالقانون الوضعي وعدم العمل بالشريعة في الحدود، وإلى قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) المائدة 44.


كما أنهم استندوا إلى أن التدرج في التشريع قد انتهى باكتمال الإسلام وموت رسول الله صلى الله عليه وسلم.


وللإجابة على هذه الاشتباهات لابد من طرح الحقائق التالية:


الحقيقة الأولى: منهج النقاش:


من المعلوم أن الله تعالى فطر كل إنسان على فهم بعض الأمور دون بعضها الآخر، وعلى التفاوت في المدارك والعقول، وعلى أن لكل إنسان طريقةً يفهم بها.


وعليه: فينبغي أن نعرف طريقة القوم في الفهم، وأن نتعرّف على فكرهم وأساليبهم وأدلتهم؛ لنناقشهم بها عسى أن يقتنعوا، فما كل إنسان يفهم فهمنا، ولا يستوعب بطريقتنا، ودليل هذا مجيء أعرابي من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه، فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، وإني أنكرته. فقال له النبي صلى الله عليه وسـلم: ” هل لك من إبل؟” قال: نعم. قال: ” ما ألوانها؟” قال: حُمْر. قال: ” فهل فيها من أورق؟” قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فأنَّى أتاها ذلك؟” قال: لعلّه نَزَعَه عِرْق. قال: ” وهذا عسى أن يكون نَزَعَه عِرْق ” رواه البخاري ح5305، ومسلم ح 1500. فرجع الأعرابي وقد اقتنع أن الغلام الأسود ولده.


الحقيقية الثانية: حقيقة الفئة المتشددة:


بعد السؤال والتحري تبيّن أن سوادها الأعظم من الشباب دون العشرين من العمر، وقليل منهم من تجاوزوا هذه السنّ، وقلة القلة منهم يحملون الشهادة الجامعية الأولى في بعض العلوم الشرعية أو غيرها، ومع هذا فقد غرّتهم شهاداتهم، فراحوا يخوضون في غير اختصاصاتهم بقراءة فردية واجتهاد ذاتي، ويهجمون على الفتوى في عظام المسائل التي قد تحتاج إلى مجامع فقهية للإفتاء فيها، كما يهجم السبُع الضاري على فريسته، فيظنون أن الفتوى أمر هين، وأن إمكاناتهم وقدراتهم تسمح لهم بها، ومعلوم عند السلف والخلف أن من كان شيخه الكتاب فخطؤه أكثر من الصواب، والله الهادي إلى سواء السبيل.


الحقيقة الثالثة: المنهج المتبع عندهم:


هو منهج متشدد غالٍ، نابع من الجهل المركب، حيث ظنوا أنهم حازوا العلوم والفنون بشهاداتهم، لهذا كان منهجهم فيه جنوح عن المنهج الإسلامي الوسطي الأصيل، فضلاً عن الخشية من أن يكون منهجهم نابعاً من اتباع الهوى والوقوع في مكائد الشيطان من حيث لا يدرون. قال تعالى: ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكّرون ) الجاثية 23، وفي قصة بلعام بن باعوراء نزل قوله تعالى: ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه…) الأعراف 175، 176.


وهم مع هذا يقعون في الجمع بين منهج الخوارج في التكفير، وبين منهج الشيعة في السب واللعن والتقية، فيسكتون عند النقاش ويوصون به أفرادهم، ولا يكادون يظهرون مكنونات صدورهم غالباً، خشية من أن يقتنع أفرادهم الذين قد ينطبق على بعضهم قوله تعالى: ( ولو جاءتهم كل آية ) يونس 97.


ومعلوم أن صاحب الحق لا يخشى أن يقول كلمته، لكن المبطل هو الذي يداري ويواري، وصدق القائل: الحق أبلج والباطل لجلج.


 


الحقيقة الرابعة: مسألة التشهير والسب:


من المعلوم في ديننا بالضرورة أن التشهير والسب من المحرمات المقطوع بحرمتها، وهما من الكبائر، كما أن هذا ليس من صفات المؤمنين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ” ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البَذِيّ ” رواه الترمذي ح1977، بل ثبت النهي عن سب أصحاب المعاصي، كما أن القرآن الكريم نهى عن سبّ الكفار، فقال سبحانه: ( ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عَدْواً بغير علم ) الأنعام 108، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من لَعَن مؤمناً فقد قتله، فقال عليه الصلاة والسلام: ” لَعْن المؤمن كقتله ” رواه البخاري ح6105، فهل السب والتشهير من الدين بعد هذه النصوص، أم هو انحراف عن الإسلام، وعن سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فضلاً عن أنهما يتصلان اتصالاً وثيقاً بالغيبة المحرّمة.


الحقيقة الخامسة: مسألة التكفير:


يعد التكفير من أخطر المسائل العقدية في دين الإسلام، فليس من السهل أن يُكَفَّر المسلم الموحِّد، كما أنه لا يصح تكفير الشخص المعين إلا بضوابط وحدود، والقاعدة عند علماء العقيدة أن: ” قائل الكفر وفاعله ليس بكافر ” وهذا أيضاً وفق ضوابط وحدود، فمن استحل محرَّماً أو حرّم حلالاً متعمداً مع علمه بأن الشريعة بخلافه فإنه يكفر. قال الإمام الطحاوي: ” ولا نكفِّر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلّه…” شرح العقيدة الطحاوية ص250، وقال صلى الله عليه وسلم: ” ومن رمى مؤمناً بكفر فهو كقتله ” رواه البخاري ح6105، وقال أيضاً: ” إذا قال الرجل – أيما رجل قال – لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما ” رواه البخاري ح 6103، 6104، وقال أيضاً: ” … ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدوَّ الله، وليس كذلك، إلا حَارَ عليه ” صحيح مسلم ح61، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أن: ” سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ” رواه البخاري ومسلم.


الحقيقة السادسة: مستندات التكفير عندهم:


المستند الأول: قوله تعالى: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) المائدة 44/


يحسن في مسألة التكفير في الحكم بغير ما أنزل الله تعالى أن أنقل أقوال سلف الأمة، فقد قال ابن أبي العزّ الحنفي في شرحه للعقيدة الطحاوية ص 258: ” إن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة، وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً أو كفراً أصغر… وذلك بحسب حال الحاكم: فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه، أو استهان به مع تيقّنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر.


وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعَلِمَه في هذه الواقعة، وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاصٍ، ويسمى كافراً كفراً مجازياً، أو كفراً أصغر.


وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده، واستفراغ وُسْعِه في معرفة الحكم، وأخطأ، فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور “.


ولما سئل ابن تيمية عن هذه المسألة ومعنى الآية أجاب بأن من لم يحكم بما أنزل الله تعالى ثلاثة أقسام:


*     قسم يعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه لا يصلح، فهذا كافر.


*     وقسم يعتقد أن الحكم بما أنزل الله واجب، لكنه تارك له أو مقصر فيه، فهذا فاسق ظالم، أي عاصٍ.


*     وقسم يرى وجوب الحكم بما أنزل الله، لكنه يجهله، أو يعجز عنه، فلا يستطيعه لأمر ما، فهذا معذور.


 


 


المستند الثاني: العمل بالقانون الوضعي بدل الشريعة/


من المفيد هنا الذكر بأن القوانين الوضعية ليست كلها شراً محضاً، كما توصف من المكفِّرين القائلين: القوانين الوضعية كلها كفر، وللجواب على هذا الاشتباه أقول: إن القوانين الوضعية في زماننا تتفرع إلى ثلاثة أقسام، هي:


1-  قسم إداري بحت، وهو ما استحدث من القوانين لتنظيم حياة الناس، وإدارة المؤسسات، وتجنيب الناس المخاطر، كقوانين السير والمرور، والدفاع المدني، والإسعاف والطوارئ، وقوانين الإدارة في مختلف جوانب الحياة الصحية والتعليمية وغيرهما، فهذه قوانين تحقق مقاصد الشريعة الإسلامية من الحفاظ على أرواح الناس، وعدم إهدار المال، وتجنب تضييع الأوقات، والابتعاد عن التسيب والعبثية والعشوائية في العمل، ونحو ذلك، فهذه قوانين لا شك في أن الشريعة تقرّها؛ لتحقيق مقاصدها وأهدافها، والحفاظ على الكليات الخمسة التي هدفت الشريعة الإسلامية إلى حمايتها، فضلاً عن أن هذا النوع من القوانين لا يندرج تحت نصوص صريحة من الشريعة ولا يخالفها، فالعمل به مطلوب لإصلاح الحياة واستقامتها.


2-  قسم متعلق بالأحكام لكنه متوافق مع الشريعة، ومحقق لمقاصدها وأهدافها، فلا شيء في العمل به، ولا يقال: إنه قانون وضعي ينبغي محاربته؛ لأنه كفر، فلقد أقرت الشريعة الإسلامية بعض القوانين الوضعية السائدة في الجاهلية رغم أنها أبطلت جملة الجاهلية؛ لأن هذه القوانين لا تتناقض ولا تتنافي مع الشريعة الإسلامية، ومن أمثلتها الواضحة:


ü   إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لحِلْف الفضول الذي شهده وهو غلام، حيث قال عليه الصلاة والسلام: ” شهدت مع عمومتي حلفَ المُطَيَّبين فما أحب أن أنكثه وأن لي حُمْرَ النعم ” رواه البخاري في الأدب المفرد ح 567، وقال أيضاً: ” لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدْعان حلفاً ما أحب أن لي به حُمْرَ النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت ” رواه البيهقي في السنن الكبرى ح13461، وقال أيضاً: ” لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ” رواه مسلم ح2530.   ومعنى الحديث الأخير أنه لا يجوز عقد حلف في الإسلام يقوم على الظلم والنهب والسلب والقتل مما كان معروفاً عند العرب في الجاهلية، وأيما حلف من أحلاف الجاهلية يقوم على  الوقوف في وجه الظالم، ومنعه من ظلمه، وإرجاع حق المظلوم إليه، وإنصافه من ظالمه، فالإسلام يقرّه ويتمسك به.


ü   مسألة القسامة: فقد روى مسلم: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرّ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ناس من الأنصار في قتيل ادّعوه على اليهود ” صحيح مسلم ح1670.   ومعنى القسامة: أن يقسم خمسون رجلاً من أولياء المقتول على استحقاقهم دمَ صاحبهم إذا وجدوه قتيلاً بين قوم، ولم يعرف قاتله، فإن لم يكن خمسون رجلاً فيقسم من حضر منهم خمسين يميناً، والحديث فيه إقرار للقسامة على ما كانت مسنونة ومتبعة عليه في الجاهلية دون تغيير أو تعديل، وأبقاها النبي صلى الله عليه وسلم، وحكم بها، ولم يبطلها، مع كونها مخالفة للأصل في أن اليمين على المدَّعَى عليه، والجواب: هو أنها سنة مخصوصة من ذلك العموم في كون اليمين من حق المدَّعِي لا من حق المدَّعَى عليه؛ لأن العلة في إقرارها حَوْطَة الدماء؛ لصعوبة الشهادة على القاتل؛ لكونه يتحرى في القتل مواضع الخلوات.


ü   دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة عند رجوعه من الطائف في جوار المطعم بن عدي، وإرساله الصحابة مهاجرين إلى الحبشة ليحتموا بملكها الذي لا يظلم عند أحد في ذلك الزمان، ولم يكن مسلماً يومها.


والمقصود من هذه الأمثلة كونها قوانين جاهلية وضعية جاء الإسلام فأقرّها؛ لأنها تتوافق مع أحكامه وتشريعاته، وتحقق مرامي الشريعة ومقاصدها العظيمة، ولا يقال: إن إقرار الإسلام لها جعلها أحكاماً إسلامية خالصة، فهذا ليس من الإنصاف، وهو مخالف لظاهر حديث الإمام مسلم في إقرار القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، فالإسلام لم يلغِ كونها من أحكام الجاهلية وقوانينها، فقد أقر بذلك، وعمل بها؛ لموافقتها لمقاصده وأهدافه.


3-  قسم من القوانين الوضعية مخالف للشريعة الإسلامية؛ فيقر الحرام ويبيحه، ويحرّم الحلال ويمنعه، وهذا لا شكّ في وجوب استبداله بالأحكام الشرعية في الإسلام؛ لأن اعتقاد صحته كفر، والعمل به مع اعتقاد فساده وبطلانه معصية، والواجب تغييره مع المقدرة على ذلك.


وهذا القسم الأخير يمثل جانباً ليس كبيراً من القوانين الوضعية في زماننا، والعمل جارٍ على إلغائه من خلال المجلس التشريعي ومن خلال الدعاة في المساجد وغيرهم


تنبيه:


لقد جاب المستشرقون العالم الإسلامي كله في فترة ضعف الخلافة الإسلامية في تركيا، وجمعوا الكتب والمصنفات في جميع العلوم، ودرسوها، فأفادوا منها، لكن لما كانت دراساتهم الاستشراقية تقوم على فكرة إلغاء أسبقية المسلمين وفضلهم، وطمس معالم الحضارة الإسلامية، راحوا يصوغون كثيراً من الأحكام الشريعة عندنا في صورة قوانين وضعية تصلح حياتهم؛ مما جعل بعض أبناء المسلمين من الجهلة في دينهم وعقيدتهم يغتر بتلك القوانين، وينسب الفضل فيها للغرب، علماً أن الغرب نظّم كل جوانب حياته في جميع المجالات بتلك القوانين التي صاغها من خلال اطلاعه على علومنا وديننا وشريعتنا، ولا أدل على ذلك من أن مجموعة القوانين الفرنسية أكثر من 90% منها متوافق مع الشريعة الإسلامية في روحه ومضمونه.


المستند الثالث: تعطيل الشريعة الإسلامية وعدم الحكم بها في الحدود:


هنا يقع خطأ في مفهوم الشريعة، لابد من إيضاحه، وهو أن الشريعة ليست قاصرة على الحدود؛ لأن لفظها ومشتقاته في القرآن الكريم ورد في آيات عديدة منه، هي:


·        ( شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحاً والذي أوحينا إليك…) الشورى13.


·        ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) الشورى21.


·        ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ) المائدة 48.


·        ( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) الجاثية 18.


ولفظ الشريعة على ما ذهب إليه كثير من المفسرين في هذه الآيات لا يراد به الحدود ولا الأحكام الشرعية فقط، وإنما يقصد به الدين كله، وهو الإسلام بما يشمله من عقائد وأحكام ومعاملات وآداب وأخلاق وغيرها، ويستدلون لهذا المعنى بأن جميع الآيات التي ورد فيها لفظ الشريعة ومشتقاته هي آيات مكية، والتشريع إنما هو من سمات القرآن المدني، فتكون ألفاظ الشريعة معناها الإسلام أو الدين كله، لا خصوص الحدود والأحكام، فحصر الشريعة في الحدود أو الأحكام ناتج من عدم فهمها، ومن الجهل بحقيقتها.


ولو سلّمنا جدلاً أن الشريعة هي الأحكام، فإن الحدود لا تساوي إلا جزءاً قليلاً منها، وليس هذا استهانة بالحدود، وتقليلاً من أهميتها، ولكنه وضع لها في إطارها وحجمها الصحيح من الشريعة الإسلامية الواسعة جداً، والحدود إنما هي جانب واحد من جوانبها الكثيرة.


وأما ما يقال من عدم تنفيذ الشريعة الإسلامية فليس صحيحاً؛ لأن هؤلاء المكفِّرين هم من الشباب في العشرينات من أعمارهم أو دونها، ولم يعايشوا الحال الذي كانت عليه بلدنا قبل عام 1987م، حيث كانت الشوارع في غزة تغصّ بالمتبرجات من النساء والبنات إلى أنصاف الأفخاذ، فضلاً عن لباس الكت، حتى إن من يمشي في كثير من شوارعنا كان يظن أنه يمشي في شوارع باريس أو في ماخور من مواخير الفساد.


كما أن الناس في رمضان تجد عدداً كبيراً جداً منهم مفطرين في نهار رمضان، فيتناولون الإفطار في الصباح أو الغداء في المطاعم جهاراً نهاراً، ويدخّنون غير آبهين بحرمة الشهر، كما كانت السينمات المفسدة للأخلاق والدين موجودة مرخصة، وكذلك الخمور، وألوان كثيرة من المحرمات التي أبيحت.


وكان الناس يستهزؤون بالمصلين من الشباب في المساجد، وفي ظنهم أنه ما بين الفرد وبين أن يصير شيخاً إلا أن يحفظ الفاتحة وسورتين من القصار، وحديثيْن، وتنتهي القصة، وينظرون إلى الذي يدرس في أي تخصص شرعي على أنه مسكين ضيع مستقبله، وأنه بشهادته سيعمل في قراءة القرآن على المقابر أو في المآتم ليتصدق الناس عليه.


ولم يرَ هؤلاء المكفرون كيف أن الحركة الإسلامية تدرجت بالناس في تعليمهم وأسلمتهم بخطوات متدرجة واثقة نحو أهدافها وفق خطة استراتيجية حتى وصل حال الناس إلى ما نحن عليه اليوم، وأعتقد أننا سنصل إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كاملة في كل جوانب الحياة قريباً بإذن الله تعالى: ( ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً ) الإسراء 51.


ومن صور تطبيق الشريعة الإسلامية في حياتنا حصول الأمن الذي كنا نفتقده قبل عامين، والمحافظة على التمسك بأركان الإسلام وأدائها، وأسلمة المجتمع في أخلاقه وعقيدته وعبادته وكثير من جوانب حياته، والتحاكم في الخصومات إلى المشايخ والعلماء، وعند الاختلاف في المسائل إلى القضاء الشرعي، والبحث عن الحق والدليل الصحيح، ومحاربة المنكرات بالدعوة في المساجد، وبالتربية في البيوت والمدارس والجامعات، وبإقرار القوانين الموافقة للشريعة في مسائل كثيرة وتنفيذها…إلخ، ولن يطول زمان حتى تطبق الحدود بإذن الله تعالى.


ولقد ظنّ هؤلاء أنفسهم أنهم قد خرجوا من بطون أمهاتهم أوصياء على الدين، وأنهم هم المصححون للمسار، وأن غيرهم لم يفعل شيئاً، وأن البلد هالكة، وأن الناس تالفون، وأن إصلاح الخلل بأيديهم فقط، وهذا ليس من الإنصاف، فلقد قال الله تعالى: ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ) هود 85.


المستند الرابع: انتهاء زمن التدرج في التشريع؛ لاكتمال الشريعة والدين في حياة رسول الله/


وهذا الكلام صحيح، لأن التدرج الواجب ليس في تشريع الأحكام اليوم، وإنما في تنفيذها وتطبيقها، وهذا باقٍ إلى قيام الساعة، ومن أدلته حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن، وأوصـاه قـائلاً: ” إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب ” رواه البخاري ح2448، ومسلم ح19.


فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث معاذاً كيف يتدرج في تنفيذ شرائع الإسلام في أهل اليمن.


وذكر الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات أن عمر بن عبد العزيز لمّا وَلِيَ الخلافة – وكنت الدولة الإسلامية قد استقرت واتسعت حدودها – قال له ابنه عبد الملك: يا أبتِ، ما لك لا تنفذ الأمور، فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق، فقال الخليفة لولده: لا تعجل يا بنيّ؛ فإن الله تعالى ذمّ الخمر في القرآن مرتين، وحرّمها في الثالثة، وإني أخشى أن أحمل الحق على الناس جملة، فيتركوه جملة، ويكون من ذا فتنة.


قال الإمام الشاطبي معلقاً على القصة: وهذا المعنى الذي ذكره عمر بن عبد العزيز معنى صحيح معتبر في الديانة…


لكن هذا المعنى فقدته بعض الحركات الإسلامية المتسرّعة في الوصول إلى الحكم اليوم، فطالبان مثلاً حكمت أفغانستان مدة قصيرة جداً في أواخر القرن الماضي ومطلع هذا القرن، فلما سقطت أفغانستان في يد القوات الأمريكية، نقلت وسائل الإعلام العربية والعالمية يومها صور الناس وهم يجهرون بحلق اللِّحى، وفتح المذياعات على الغناء بواسطة السماعات الكبيرة في الأسواق، وخلعت النساء الحجاب، والسبب هو أن تنفيذ الأحكام الشرعية كان مفروضاً على الناس دون اقتناع منهم، ودون تربيتهم على أن هذا الأمر مطلوب من المسلم بموجب إسلامه، ودون تعريفهم بالمنكرات وآثارها السيئة عليهم في الدنيا والآخرة.


والمقصود من التدرج في تنفيذ الشريعة هو تربية الناس وتعريفهم بالمعروف شيئاً فشيئاً ليحبوه ويدعوا إليه، وتنفيرهم من المنكر وتبيينه قبحه ومفاسده وأضراره عليهم ليبغضوه ويجتنبوه، فإذا قامت الحجة عليهم، وبقي قلة من الأفراد يتعمدون أن لا يفهموا وأن لا يلتزموا عن قصد ونية، فإنهم شواذّ يستحقون العقوبة التأديبية، سواء كانت من الحدود أو من التعزيرات، فالحدود إنما شرعت  في الإسلام لتأديب الشواذّ، وتطهيرهم من الذنوب، وليس المقصود منها أن نقيم مجلدة للناس أو مشنقة.


وهنا أسجل أنه لا ينبغي الإسراع في قطف ثمرة التجربة الإسلامية قبل استوائها على سوقها تماماً؛ لأن الاستعجال من عوامل الفشل والسقوط، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل أن يبدوَ صلاحُها. رواه البخاري ح1487، 2189، 2249، وفي مواضع أخرى من الصحيح.


خلاصة الموضوع:


من الواجب فهم الشريعة الإسلامية فهماً دقيقاً عميقاً قبل تطبيقها؛ لتجنب وقوع الخلل في ذلك، وللابتعاد عن تنفيذها تنقيذاً غير مراد في الدين، فالغاية لا تبرر الوسيلة.


كما ينبغي فهم واقع الحياة الذي نعيش؛ لئلا يحدث تصادم بين تنفيذ الأحكام وبين واقع الحياة، فيظهر الدين في نظر الناس كما لو أن الهدف منه إيقاع الحرج والمشقة عليهم في حياتهم، ومعلوم أن الله تعالى لا يريد بنا العسر ولا الحرج ولا المشقة، وأنه لم يكلفنا فوق طاقتنا.


كما ينبغي الأخذ على أفواه أولئك النفر المتنطعين وعلى أيديهم، ومنعهم من إرباك الناس وإيقاعهم في الحيرة بفتاواهم وأعمالهم العشوائية غير المدروسة والتي تضرّ بصورة الدين أولاً، ثم تضر بصورة المتدينين ثانياً؛ لأن من فقه الشريعة التخطيط السليم لتنفيذها وفق رؤية مبرمجة، وآليات محددة ومضبوطة، تبعدنا عن الخلل، بعد فهم مقاصدها وأهدافها ووسائلها.


وفي النهاية: ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم، ديناً قِيَماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ).


والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم،،،       

  1. No comments yet.
  1. No trackbacks yet.